قد نتعلم من بيضة |
في طفولتي علمتني جدتي كيف أعرف أن البيضة قد نضجت سلقاً. بأن أضعها على أرض المصطبة الملساء، وألفها بقوة. فإذا دارت بسرعة كبيرة، واستمرت بالدوران لفترة طويلة، فهذا يعني أنها ناضجة تماماً، وجاهزة للأكل. أما إن توقفت بعد لحظة، فهي لم تنضج وعليّ إعادتها للماء، والانتظار من جديد.
ظل لغز البيضة يلاحقني، ولم أستطع أن أجد له تفسيراً، حتى علمت أن البيضة تحتوي على عناصر سائلة (الآح) و(المح)، أي البياض والصفار، وعند تدويرها، فإن كل جزيء يتحرك بإتجاه يعاكس الآخر، ولذلك تفقد البيضة النيئة طاقتها، بعد تدويرها مباشرة، وتسكن واقفة. إي أنها لم تنضج بعد، فبياضها ما زال يعاكس صفارها. أما إذا نضجت، فإنها تتجمد، وتصبح كتلة واحدة، تندفع عند تدويرها بذات الاتجاه، دون أن يكون في داخلها جزيء يعمل ضد الآخر | .
الشعوب المتقدمة تعمل كالبيضة الناضجة. تتحرك كجسم واحد، متزن ومتناسق ومتناغم، لا يتحرك صفار عكس بياض، أو بياض ضد صفار، فيلغي حركته ويسكنه. فليس هناك ما هو أسهل من وقف مسيرة بلد، أو تعطيل عمل، أو خربطة طريق، وأقل هذا أن نسير متعاكسين | . فلماذا لا تتعلم بعض الشعوب من البيض المسلوق؟ | .
يمكننا ان نلغي حركة بعضنا وجهودنا، ويمكننا أن نضع العربة أمام الحصان | ، بدلاً من أن نحفزه على جرها، أو أن ندسَّ العصي في الدواليب المتحركة، أو أن نزرع المطبات مدججة بالمسامير، تحت إطارات بعضنا. وهناك الكثير من فنون العرقلة، والتثبيط، والنكوص، مما نرى ظلالها على واقعنا.
آمل أن نكون قد نضجنا وتعلمنا من ما فاتنا وأبطأنا، وأتساءل هل علينا حقاً أن نتعلم من البيضة المسلوقة في هذه الفترة الحرجة؟ | ، هل علينا أن لا نعاكس إتجاه بعضنا، حتى لو اختلفنا باللون، والرأي. فلا ضير أن نختلف، أو أن تتباين آراؤنا، المهم ألا نتخالف، ونلغي حركة بعضنا، بل أن نأتلف ونسير باتجاه يدفع بلدنا، ويديرها بسرعة.
وكعادتي الدائمة، أجدني متفائلاً بالحكومة الجديدة، التي يعول عليها وأمامها الكثير، متمنياً أن يكون رئيس الوزراء، قد أمعن في اختيار فريقه الوزاري، الذين ربما يختلفون في ألوانهم، أو يختلفون معنا، ولكنهم يسيرون جسماً واحداً للإنجاز.
من المفيد أن نعود لدهشة الطفولة أحياناً، ونتعلم من بيضة. علّنا ندور بسرعة، في عالم لا يعترف بالسكون والركون. فحتى الذي يبقى بذات سرعته، ولا يتسارع، فكأنه واقف. والذي لا يتقدم، فهو بكل تأكيد يتأخر.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |