ليس افلاطون وحده هو الذي تحدث عن المدينة الفاضلة وبشر بها. وليس وحدهم فلاسفة اليونان الاغريق من ذهبوا بعيداً في الخيال الى حد بناء مدينة فاضلة، بل ان في زمننا هذا من يعتقدون ان الخيال الاداري او الانشائي قادر على صناعة حكومة فاضلة، خالية من الشوائب والعيوب في ادارة امور القطاع الحكومي، وتحقيق العدالة بين قطاعات الموظفين.
هذه الحكومة الفاضلة يجسدها تصريح وزير الدولة لتطوير القطاع العام لـ"الغد"، يوم الاثنين الماضي، حول اسس التعيين التي سيشملها نظام الخدمة المدنية الجديد الذي يتوقع الوزير ان يتم اقراره في النصف الاول من العام المقبل. اما الخيال الاداري، فقد جاء كما يلي في التصريح: "ترسيخ الشفافية والمساءلة في موضوع التعيينات"، وكذلك تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص للمواطنين في التقدم لإشغال وظائف الخدمة المدنية، اضافة الى "تحقيق رضى المواطن ووضع معايير مناسبة لمستوى الخدمات المقدمة، وتطوير آليات وممارسات حديثة للاختيار والتعيين تكون قابلة للتطبيق"، وأيضا "ايجاد هيكلية تنظيمية شاملة تتجدد بموجبها ادوار الجهات العاملة في مجال ادارة الموارد البشرية"، وكذلك "تعزيز القدرات المؤسسية، وتمكين المؤسسات الحكومية من استقطاب الكفاءات وتأهيلها لمواكبة التحديات الحالية والمستقبلية".
كل هذا كلام جميل واهداف عليا للادارة، لكن المشكلة لم تكن يوماً في النسيج الانشائي. فهل يضمن لنا الوزير الكريم، ونظام الخدمة المقبل، ان تكون المساءلة والشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص في قطاع الوظائف العليا وتعيين المدراء والامناء والسفراء والمستشارين؟
وهل نسأل الحكومة، التي تبشر بنظام خدمة فاضل، عن نفس النظام الذي لم يكن فاضلاً بمساره. فنحن منذ عقد نمارس تغييراً سريعاً لنظام الخدمة المدنية، لتكتشف الحكومة اللاحقة ان النظام الجديد مليء بالثغرات فتقوم بالتعديل، والدليل هو ان النظام الذي يتحدث عنه الوزير يبشر بالعدالة والشفافية وتطوير القطاع العام، وكأن ما سبق لم يكن يحقق ذلك!
وحتى هذا النظام، فقد بدأ الحديث عنه قبل عامين تقريباً، وكان يجب ان يقر في شباط من العام 2004، لكنه استمر من حكومة إلى اخرى، وبين مكاتب القطاع الخاص التي تتلقى عشرات الآلاف من الدنانير لاعداده ومكاتب الوزراء، وحتى الان لم يتم اقراره! والمفارقة ان مجلس الوزراء بدأ قبل اسابيع مناقشة النظام ثم توقف، والان يتحدث الوزير ان اقراره سيستغرق شهوراً حتى النصف الاول من العام المقبل.
نقترح على الحكومات ان تخفف من عمليات الضخ الجائر للمقدمات الانشائية حول الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص، فالمشكلة ليست في عدالة بشأن وظيفة مراقب صحة او معلم مدرسة، بل في مجالات ما زالت خارج اطار التشريع. وتحقيق رضا المواطن يتطلب اولاً التوقف عن الكلام الجميل الى الفعل الملموس، اوعلى الأقل التوقف عن الكلام المغرق في المثالية، فربما لو طبقنا قواعد الشفافية والادارة المثالية لما كان هناك وزارة دولة لتطوير القطاع العام، او وزارات دولة وغيرها من المواقع والوظائف الشكلية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة