بين الحين والاخر، يتناثر حديث او مطالبة بحكومة برلمانية، وفق تعريف مباشر بأنها حكومة يشارك فيها النواب، فيجمعون الى موقعهم النيابي حقائب وزارية. وهذا المفهوم يختلف عن المفهوم الحقيقي للحكومة البرلمانية، والذي يعني ان تكون الحكومة محصلة لحالة سياسية، بل عملية متكاملة، من حياة حزبية وانتخابات وفق نظام سياسي يعطي للحزب الاكبر فرصة تشكيل حكومة قائمة على ثقله النيابي او عبر تحالف مع كتل برلمانية اخرى؛ انها تتويج لتشريعات وتركيبة سياسية، وليست قرارا يعطي الحق للنواب بجمع وظيفتين. فالحكومة البرلمانية يقودها ويشارك فيها نواب حزب او قوة سياسية ذات برنامج تتكاثف جهود نوابها ووزرائها في تنفيذ البرنامج، وليس عملا اداريا تجعل النائب يعطل دوره ويتفرغ للعمل الوزاري، ويسخر هذا الموقع لتعزيز نفوذه وخدمة فرصه لانتخابات قادمة.
ولهذا، فان مصطلح الحكومة البرلمانية يختلف عن اعتقاد البعض بضرورة الجمع بين العمل الوزاري والنيابي. وحتى لو اقتنع صاحب القرار ورأى المصلحة في تشكيل حكومة برئاسة نائب وبطاقم وزاري معظمه من النواب، فانها لن تكون حكومة برلمانية بالمفهوم السياسي والدلالة الديمقراطية للمصطلح، وسنكون على موعد مع حكومة تضيف الى بعض الاسس غير المقبولة في تشكيل الحكومات الان أسسا اخرى من ذات المضمون، وسنفتح الباب امام سلبيات الاداء البرلماني لتضاف الى سلبيات الاداء الحكومي.
اذا كانت استطلاعات الرأي وقراءات الرأي العام تشير الى عدم رضى الناس، وحتى النخب، عن اداء مجلس النواب، وهذا ما اشار اليه جلالة الملك في لقائه قبل اسابيع مع النواب والاعيان والحكومة، فكيف يكون تخويل اعضاء المجلس حق الدخول في حكومة؟! فضلا عن ان الجميع يجمعون على ان النكهة السياسية للمجلس ضعيفة، والاداء خدماتي جدا، وخبرة معظم اعضائه قليلة، سياسيا وبرلمانيا.
الحكومة البرلمانية نتاج لعملية سياسية وليست قرارا او تنفيذا لمصالح افراد او تجمعات، ومشكلة الاردنيين ستبقى قائمة مع بعض اسس تشكيل الحكومات، وتحديدا الاجابة عن سؤال: لماذا جاء فلان وزيرا؟ وربما على كل الساعين إلى الاصلاح والتنمية السياسية ان يدركوا ان احد معايير هذا الاصلاح هو إقناع الناس بالتوقف عن البحث عن شجرة عائلة او علاقات او مصالح جاءت بفلان، وان يجد الاردنيون اجابة عن سؤال: عما جاء بفلان وزيرا، وليس عمن جاء به.
من المؤكد ان حل مشكلة تركيب الحكومات ليس عبر البحث عن شكليات الحكومات البرلمانية، بل بالذهاب الى تشريعات واصلاحات تصل الى هذا الجوهر. اما اذا كان المقصود "توزير" النواب، فهذا امر لا علاقة له بالتنمية السياسية والاصلاح السياسي! وقد شهدنا في النصف الاول من عقد التسعينيات، عندما كان مألوفا الجمع بين الوزارة والنيابة، كيف حمل عدد من النواب لقب معالي بمواقع دون حقائب، ودون كفاءة، ولغايات ترضية الكتل والاشخاص. ولهذا، فان المسار الذي تبناه الحسين رحمه الله، بعدم الجمع بين الوزارة والنيابة، جنب الحياة السياسية سلبيات كان من اهمها الخلط بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستغلال الموقع الوزاري لاغراض انتخابية.
لن يختلف الامر على الاردنيين لو جاء النواب وزراء تحت اسم حكومة برلمانية، او جاءهم وزراء لا يعلمون كيف جاؤوا وما هي اسس توزيرهم، لكن القضية الاساسية هي في ان نسمي الاشياء بغير اسمائها، وان نصنع وهما بأننا نمارس تطويرا سياسيا تحت لافتة تشكيل حكومة من نواب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة