أضافت إيران مفاجأة أخرى للمجتمع الدولي حينما أعلن الرئيس محمود احمدي نجاد في اليوم الوطني الإيراني للتكنولوجيا النووية أن إيران قد بدأت بنصب 6000 جهاز طرد مركزي في منشأة نطنز النووية. هذه الأجهزة تضاف إلى 3000 جهاز كانت إيران قد أعلنت عن نصبها العام الماضي.
أجهزة الطرد الجديدة يتوقع أن تكون جيلا متقدما على الأجهزة التي نصبت سابقا في نفس المنشأة نطنز، وهي من جيل P2 والتي يعتقد أن قدرتها على تخصيب اليورانيوم تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف الجيل السابق P1. المفاجأة الإيرانية الجديدة -سبقتها تسريبات خبرية تحدثت عن تركيب إيران أجهزة طرد جديدة في نطنز وذلك في أوائل شهر نيسان، لكن تلك التقارير لم تتحدث عن عدد أجهزة الطرد الجديدة- تبدو هامة وذلك بالنظر الى جملة من القضايا:
أولا: توقيت الإعلان الإيراني يبدو منسجما مع اليوم الوطني الإيراني للتكنولوجيا النووية والذي أُقر بناء على اقتراح الرئيس الإيراني في العام الماضي ليصبح جزءا هاما في التقويم الإيراني للمناسبات. الأمر الآخر أن الإعلان يأتي قبل أيام من الاجتماع الذي ينتظر أن تعقده مجموعة الدول 5+1 وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا في برلين في الاسبوع المقبل للتباحث في الخطوات المقبلة التي تنوي المجموعة القيام بها حيال إيران.
الاجتماع المذكور يأتي بعد رفض إيراني للتفاوض مع مجموعة هذه الدول أو من يمثلها، كما يأتي بعد رفض إيراني لما تردد من أن المجموعة 5+1 تدرس إعادة تقديم المقترح الأوروبي الذي تقدمت به في العام 2006، والذي يتحدث عن إعطاء إيران بعض الامتيازات الاقتصادية مقابل تخلي إيران عن تخصيب اليورانيوم.
ثانيا: الإعلان الأخير جاء ليتجاوز ما طرحه مشروع العقوبات 1803 والذي تحدث عن ضرورة التزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم كمقدمة لا بادرة حل سلمي للملف، وتمهيدا عمليا إلى أي تفاوض جدي بين المجتمع الدولي وإيران. جاء الإعلان أيضا بعد الانتقاد الروسي لإيران حول إصرارها المضي في تخصيب اليورانيوم ورفضها المقترح الروسي الذي يدعو إيران لقبول قيام روسيا بتزويد إيران باليورانيوم المخصب، وهو الاقتراح الذي قبلته الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية.
ثالثا: التركيز الإيراني على نصب أجهزة الطرد في منشأة نطنز يبدو انه يرسل رسالة إلى أن الاهتمام الإيراني منصب على المنشأة التي لم يتم الكشف عنها إلا في العام 2002، ثم قامت إيران بدعوة مفتشي الوكالة الدولية لزيارتها في العام 2003، وهو الأمر الذي يعني في الحقيقة مدى الاهتمام الإيراني بهذه المنشأة وكذلك التكنولوجيا المستخدمة فيها والتي يبدو أنها أكثر تقدما ورقيا من تلك التي في مفاعل بوشهر. الأمر الأكثر أهمية ان منشأة نطنز دللت على قدرة إيران على إخفائها في منشأة تحت الأرض، ويبدو أن هذا الأمر الذي دفع مؤخرا الولايات المتحدة للتركيز ومتابعة التطورات التي تنشأ على هذه المنشأة من خلال صور الأقمار الاصطناعية. في السياق نفسه فإن التركيز على نطنز قد يأخذ الأنظار ولو قليلا عن منشأة بوشهر التي تعرضت إلى تأخير في بدء التخصيب فيها وذلك بسبب بعض الخلافات بين موسكو وطهران، وهو الأمر الذي عكس وجود مشاكل مالية، لكن ذلك اظهر كذلك المشاكل على المستوى التكنولوجي التي تعاني منها منشأة بوشهر، تلك الأزمات التي اقر بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته العام الماضي إلى طهران، معتبرا أن العامل التكنولوجي هو سبب التأخر في تشغيل المنشأة.
رابعا: الحصول على الجيل الثاني P2 من أجهزة الطرد بالنسبة لإيران الدولة المحاصرة اقتصاديا يعني أن إيران نجحت في الحصول على هذه الأجهزة عن طريق السوق السوداء وربما من دول غربية، وهذا يعني فتح باب الجدل حول جدوى العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن في قراراته 1737و1747و1803، ومدى تأثيرها على التقدم الذي تقوم فيه إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي.
خامسا: ما تم في إيران من نصب 3000 جهاز للطرد ثم البدء بنصب 6000 أخرى سيعتبر نوعا من الانجاز للرئيس احمدي نجاد-على الصعيد الداخلي- والذي أصر على استمرار إيران في التخصيب وتحدى المجتمع الدولي والقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن، وأوقف العمل بالتخصيب والذي اقترحته من قبله حكومة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، الأمر الذي سيوصل رسالة أن التشدد مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة هو الذي يضمن أن تواصل إيران برنامجها النووي، وهذا بالتأكيد سيساعد الرئيس احمدي نجاد في حملته الانتخابية في الانتخابات الرئاسية القادمة 2009.
إن الخطوة الإيرانية الأخيرة لا يبدو أنها ستواجه إلا بمزيد من الانتقاد من المجتمع الدولي، لكن الأهم أنها ربما تقرب بين حلفاء إيران- ولا سيما روسيا- والإدارة الأميركية التي تسعى إلى نزع طوق الحماية الذي تلجأ إليه إيران والمتمثل في روسيا والصين. الأمر الآخر هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين سيسعون إلى فرض مزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية، ولن يكون مستغربا أن يكون هناك بداية مشروع عقوبات أشد بعد مضي 90 يوما على مشروع العقوبات 1803، وهو الأمر الذي يحافظ على المنحنى التصعيدي فيما يخص هذا الملف.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محجوب الزويري جريدة الغد