تشير الدراسات الأركولوجية (الآثارية) أن قرية (هضيب الريح) في منطقة رم، هي أقدم منطقة في العالم زرعت بالزيتون، قبل أكثر من سبعة آلاف سنة، فلا عجب إذن، أن نقرن تجذرنا بأرضنا من خلال أمنا الشجرة. فليس هناك أمتن، ولا أصلب، ولا أقوى من قرمية زيتون ترينا كيف يكون التجذر والثبات والأصالة (القرمية هي الجذر الكبير الضارب في صلب الأرض)، وليس هناك أنضر من غص أخضر، نحافظ على معناه
.
الأردنيون: دمهم الثاني زيتهم البلدي، العابق بحب الأرض من اللثغة الأولى، والحرف الأول. وأمهم الزيتونة، بجل معانيها الضاربة في الأعماق، وإن كانت جدتهم الوردة بكل شذاها، وبكل رحيب عطرها الفوّاح.
ولهذا طالما حار بي سؤال لحوح لجوج: هل يمكن لإنسان أن يتجذر بأرضه حد شغاف القلب؛ ما لم تكن له شجرة باسقة، تمد جذورها عميقاً؟ | ، أم أن الشعارات الرنانة، حول أهمية الخضرة وأشجارها قد بلعتنا، وأصبحت ظاهرة صوتية، لا تترجم على صفحات التراب، إلا من خلال عمارات تتناسل كغابة إسمنت بسرعة الضوء حولنا، في حين تنحصر مساحة الأخضر أمامنا وفينا؛ لتغدو قطعة موكيت صغيرة، تنوب عن كل حلمنا الأخضر الكبير | .
اليوم سينطلق مهرجان الزيتون الذي ترعاه وزارة الزرعة في حدائق الحسين، وإذ نحيي هذا المهرجان على استمراريته وإطلالته السنوية الثابتة والمدروسة، فإننا نعده فكرة كبيرة، صادقة لاحتفائنا بأمنا الزيتونة، وأمها الأرض، والذي يهدف كذلك إلى التعريف بجودة زيت الزيتون الأردني، وتأكيد مطابقته للمواصفات الدولية، ومن ثم فتح المجال أمام المواطنين للشراء من مصدر موثوق خصوصاً بعد شيوع حالت من غش الزيت وخلطه، في السوق المحلية، وهو مناسبة متاحة أن نلتقي بالفلاحين الذين تعمد زيتهم الذهب بحبات عنائهم وتعبهم،وامتزج بإخلاصهم لأرضهم، فنحييهم ونشد على أياديهم.
في المهرجان، سنتذوق الزيت البكر، من كل أركان البلد، سنذوق زيت (الكفارات) الطافح بمذاق لا يضاهى، وزيت برما جرش الشفيف، وزيت عجلون المعطر، وزيت البلقاء الذهب، وزيت كفرنجة (الهواوي). الكفرنجاويون يسمون زيتهم المقطوف بعد جولة مطر بالزيت الهواوي، والذي تساعد على قطفه أصابع الريح، ويد الهواء.
وهي فرصة أيضا أن نستعيد شيئاً من ألق قرانا العامرة بالبركة والخير والبساطة، إذ تجد من تذكرك بجدتك، وهي تخبز على الصاج شراكاً واسعاً بعد أن ترققه وتدوره بين يديها كفنان، فيما الدخان يمخر ذوائبها البيضاء في باب الدار، فتهرع لصحن زيت متلاطم وتقعد قربها متسللاً، وتبدد بالغمس اللذيذ المتأوه، ما خبزت يداها، أولاً بأول. سلام على ذكراك أيتها الجدة الطيبة. سلام على الخبز والزيتون | .
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |