قضية الاسرى والمعتقلين والمفقودين الاردنيين تحمل في ثناياها امرا غير مفهوم قد يفسر بعضه او معظمه الاداء الصهيوني الصلف والمتجبر والمتجاهل لهذا الملف, لكن القضية بالعدد غير الكبير لافرادها كان من المفترض بل الطبيعي ان يتم تفكيكها وحلها وعودة هذه الفئة الصابرة الى اهلها وعائلاتها.
ففي صراع مثل الصراع العربي- الصهيوني من الطبيعي ان يكون هناك ملفات شائكة من الاسرى والمعتقلين, وخلال كل العقود كانت هناك حلول لملفات صعبة عبر اخراج وتبادل للاسرى, او صفقات سياسية بين حكومات الاحتلال وبين أغلب الدول ذات العلاقة أو الفصائل الفلسطينية قبل اوسلو وكذلك حزب الله, وعندما كان للاحتلال معتقلون وجثث كان يقضي السنوات في المفاوضات ويقدم التنازلات حتى يصل الى اهدافه.
وحتى المراحل التي افرجت فيها سلطات الاحتلال عن بعض الاردنيين او حمَلَة الجنسية الاردنية فإن الامر كان منقوصا, وظهر احيانا وكأنه تحايل والتفاف على جوهر القضية سواء عبر إبعاد بعض من لا ترغب بهم تحت لافتة الافراج, او الافراج عمن هم على مشارف انتهاء محكوميتهم. ونجحت اسرائيل في تجاهل فئة من الاسرى ممن تقول انهم مارسوا عمليات قتل لاسرائيليين, لكن هذا لم يكن اكثر من فرض شروط وتجبُّر, وكأن سلطان العجلوني هو الوحيد الذي اطلق الرصاص, اما جيوش الاحتلال التي مارست العدوان والقتل في عام 1948 و1967 وضد الاردن في معركة الكرامة, كأنها كانت توزع الورود علينا ولم تقتل منا احدا, لكنها عملية عض الاصابع وفرض الشروط رغم ان هذه الفئة وسلطان مثال لها قضت سنوات طويلة جدا في السجن.
القضية الاساسية تتطلب جهدا اردنيا بحيث يتحول هذا الملف الى قضية رأي عام وحاجة وطنية تتضافر فيها الجهود الرسمية والشعبية بحيث نعوض ما امكن ضياع فرصة انهاء هذه القضية في مرحلة توقيع المعاهدة عام 1994 حيث كان من الممكن والواجب ان يكون هذا الامر جزءا من شروط المرحلة, لكنه التقصير من جهة والمماطلة الاسرائيلية من جهة اخرى تماما مثلما هي الحقوق المائية الاردنية التي لا نأخذها كاملة.
واذا تجاوزنا التاريخ فإن القادم يستحق المزيد من العمل خاصة ان المسؤولين يعتقدون ان المنطقة تشهد انفراجات نسبية على المسار الفلسطيني الاسرائيلي كما ان هناك جهودا اردنية في هذا المجال, وربما يكون مناسبا ان نعيد الاعتبار لهذا الملف وبطرق اكثر جدوى, فالقضية ليست محل خلاف بين الهيئات الرسمية وغير الرسمية بل هي قضية الجميع ويمكن لكل طرف ان يمارس دورا هاما؛ والهدف ان يعود الاسرى الى عائلاتهم ووطنهم, وان ننقذهم من العذاب والمعاناة التي طالت عبر عقود وسنوات.
ومن الناحية السياسية فإن نجاح الحكومة في انجاز تقدم حقيقي واغلاق هذه القضية ايجابيا سيسجل لها سياسيا وشعبيا, بخاصة ان حكوماتنا تؤمن بأن كل الملفات يمكن حلها سياسيا ودبلوماسيا مع اسرائيل, فقضية الاسرى والمعتقلين اختبار حقيقي لهذه القناعة والخيار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة