ربما تابع العالم بدء محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وقد ذهب بعض الناس الى حد الدعاء في شهر رمضان ان يستفيد كل صاحب مسؤولية عربية من هذه التجربة او الدرس. وهذا الدعاء لا يعني قبولاً بمثل هذه الحال، التي يصبح فيها الاحتلال مصدر ما يسمى "العدالة"، فمنطق العدل والقصاص لا يستقيم مع منطق الاحتلال، الذي يعتبر اقصى درجات العنف والارهاب والظلم.
واذا كان النظام العراقي السابق يخضع للمحاكمة في قاعة محكمة وامام الكاميرات، فإن كل من تولى الحكم في العالم يتعرض او تعرض للمحاكمة، ليس عبر محاكمة وقضاة وادعاء عام، فالشعوب لديها حكم على كل اسم من اسماء الكبار. وبعضهم تعرض للظلم الجزئي او الكلي من قبل الرأي العام، حين اختلطت الاحكام على النوايا بالحكم على الافعال، وبعضهم تمت محاكمته خارج سياق مرحلته، لكن الحكم الاخطر هو الذي نال البعض بموجبه احكاماً بالبطولة والزعامة والاخلاص بشكل يخالف سجله الوظيفي! فنحن الشعوب لدينا قابلية للسقوط في فخ الاستغفال، واحياناً "نطفو على شبر ماء" -كما يقال- فنغوص في الخطابات والانشاء وفن البلاغة، والقدرة على استخدام المؤثرات الصوتية، فنعطي للبعض احكاماً ايجابية رغم انهم لم يجلبوا للامة الا الهزائم والقمع والسجون وزوار الفجر.
والشعوب اعطت -دون قصد وتحت وطأة النضال الاذاعي والحروب الوهمية- احكاماً بألقاب لا تعطى لكبار قادة الحروب في التاريخ، لانظمة لم تطلق طلقة واحدة باتجاه عدوها الحقيقي طوال عقود، لكنها استبدلت هذا بافتتاحيات ثورية لصحفها، وبرامج تلفزيونية واذاعية، وتنظير ثوري يفترض بصاحبه انه قد حرر ارضه او خاض في سبيل هذا حروباً عديدة.
كل انظمة الامة صدر ويصدر بحقها احكام، ولها تصنيف. وكما ان بعضها يجيد تسويق نفسه خطابياً وامام الرأي العام، فإن البعض الآخر يفتقد الى هيئة دفاع؛ فحتى ما يفعله من ايجابيات ضمن امكاناته وقدراته يفشل في تقديمه! ولهذا، نجد انظمة لها اسهم عالية لدى الشعوب بحكم حسن التسويق، واخرى محكوم عليها دائماً بالسوء. فليست المحاكم المنقلبة على الانظمة السابقة او المولودة من رحم احتلال هي التي تظلم او تنصف، بل هي محاكم الشعوب الدائمة.
ويبقى اخيراً ان نسأل اصحاب القرار في عالمنا العربي: هل يدرك كل منهم حكم الناس عليه، او تقويمهم قصير المدى وطويله لسياساتهم وقدراتهم؟ ام انهم يعتمدون على الاغنيات واللقاءات البروتوكولية لتقويم موقعهم في نفوس الناس؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة