صدى الصفعة الظالمة
في موروثنا الشعبي إذا تأخر الطفل عن المشي كان على الأم أن تجلسه في غربال (المنخل الخشبي الدائري المستخدم بتنقية الحبوب من الزوان والأتربة والحجارة)، ثم تدور به مجروراً في أزقة الحارة، بمعاونة جارتين من جاراتها، مرددات أغنية ممزوجة بالتفاؤل والأمنيات (داديه داديه يا قرون الغول/ داديه يكبر ويطول/ اتملى اتملى يا هالبير/ حتى يمشي ها الصغير).
لم نعد بحاجة لغربال ولا لأغان مبحوحة بحزن الأمهات، ففي عام الوقوف العربي 2011 ولدنا واقفين ممشوقي الكرامة، نهرول في طريق المجد، بعد أن رمينا عكاكيزنا وشلحنا كساحنا مثلما يشلح الثعبان جلده، ولم يعد بارودنا مبلولاً، أو مجبولاً برطوبة الخوف.
ما أجملَ الثأر للكرامة، التي هي أصل وجودنا و(قرمية) الإنسان، الذي كرمه الله، فكيف القبول بعبد أن يستعبده. فالصفعة الظالمة التي دوت على خد البوعزيزي في قسم الشرطة، كانت القشة التي قصمت ظهر تحملنا جميعنا، وقصمت جمل صبرنا، وكانت القطرة التي أفاضت الكأس، وأدهقته.
فبجسد محمد البوعزيزي الذي أشعله نبراسا لنا، قبل عام كان فتيلا لبارودنا، وشرارة لثورة تغير وجه العرب، وبدأت معه ثورة الشعب الذي ظن العالم أن كساحه يكبر معه، ولن تنفعه غرابيل الدنيا. ولهذا عنونت صحف العالم صفحاتها الأولى حينما اندلعت؛ ثورة الياسمين: وأخيرا فعلها العرب. إنه عام الشعوب حين تريد الحياة، وعام المارد الذي خرج من قمقمه، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تعيدها.
ومن أجل هذا، سأقترح قمة للشعوب العربية في (سيدي بوزيد)، مسقط رأس شعلة التحرر العربي في ذكرى إشعاله عتمة الظلم، نريدها قمة دون سجاد أحمر يزنر أرض المطار. قمة تتراءى أمامها دماء شهداء ثورة الياسمين، واللوتس، والثورة الليبية التي جندلت العقيد المخبول، وثورة اليمن الجديد، وثورة السوريين الأبطال، وقد حان حينُ حريتهم.
في قمة سيدي بوزيد، سنكسر غربال كساحنا قطعة قطعة. ونكومه في عربة البوعزيزي الماثلة للعيان هناك. ثم سننصت بكامل قلوبنا وأمانينا، ليس لسماع ألسنة اللهب تأكل جسده. بل لنسمع صدى الصفعة الظالمة، التي سقطت على وجهه؛ وقلبته بركاناً لفتيل تحررنا. فسلام عليه في العالمين، وعاشت الشعوب حرة أبية، والذل والعار للطغاة الجبابرة.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية