تحتل مناطق الجنوب الترتيب الاول في الفقر وجيوبه وآثاره. وهذا الواقع الحقيقي يحدث في بلد صغير المساحة نسبيا، ومتجانس ليست فيه فروق حضارية، بل إن مناطق الجنوب كلها من المصنفة سياسيا باعتبارها الاشد ولاء للدولة، مما يجعلها نظريا -وفق هذا المنطق- محظوظة، لكن الحال التنموية ونسب الفقر عكس ذلك تماما!
والجنوب ليس مناطق فقيرة طبيعيا؛ فالبحران الميت والاحمر جزء منه، وهما بؤرتان للسياحة والموارد الطبيعية حيث شركة البوتاس واخواتها. وفي الجنوب ايضا مناجم فوسفات ومصنع اسمنت، وهنالك البتراء وضانا، والتجارة من الميناء ومناطق حدودية مع الاشقاء السعوديين، فضلا عن الزراعة وتربية الاغنام.. اي اننا امام مناطق تمتلك ما تمتلكه اقاليم اخرى، لكننا بعد اكثر من ثمانين عاما من عمر الدولة نجد مناطق في وادي عربة لم نسمع بها الا عندما زارها جلالة الملك.
وعندما يتحدث المسؤولون عن فقر الجنوب، ويؤكدون على ضعف بنيته التنموية، فان في هذا ادانة واضحة لكل الحكومات، ولكل السياسات الاقتصادية والسياسية. فهناك خطيئة ارتكبتها جهات وسياسات اوصلت هذه المحافظات، التي تشكل اكثر من 65% من مساحة الاردن، إلى أن تكون عنوانا للفقر والحاجة، ومقصد حملات الصدقات والمعونات. والحل الحقيقي ليس في زيادة حصة الجنوب من "كراتين" الزيت والعدس، بل في ان تستدرك الحكومات ما كان، واضعة خططا تنموية حقيقية لكل تلك الجغرافيا ولكل سكانها. كما ان تقويما دقيقا لكل المشاريع الطبيعية القائمة على الموارد والسياحة تشير الى ان الفائدة التنموية ضعيفة، وهو ما قد يعود الى اسباب عديدة يفترض بأهل البحث الوصول اليها.
وللانصاف، فان اهل الجنوب يتحملون جزءا اساسيا مما يعانون. فالفقر والقحط ساهما في عقود الدولة الاولى في اندفاع اهل الجنوب الى الوظيفة الحكومية ايا كانت، فكان احدهم اما يذهب الى الجيش جنديا او موظفا في الصحة او المواصلات والتربية، وكلها وظائف حكومية عادية اثبتت مسيرة الدولة انها لا تكفي الا للحد الادنى من المعيشة، وهؤلاء هم متقاعدو اليوم الذين لا يكادون يوفرون لانفسهم عيشا كريما من تلك الرواتب التقاعدية. وكان الجميع يفرح لان ابنه موظف او جندي، حيث السلطة بشكلها الوهمي، وما ان يتقاعد احدهم حتى يصطدم بالواقع، حيث عشرات الدنانير دخلا لموظف حمل درجات متقدمة، ووقع مئات الآلاف من الاوراق او ألصق ملايين الطوابع!
وحتى الكبار من اهل الجنوب الذين وصلوا الى المواقع الكبرى، وأعدادهم بالمناسبة كبيرة، فان معظمهم لم يقدم خدمات استراتيجية لمحافظته او للاقليم، والقليل منهم لم يفكر ببعد استراتيجي للجميع، لا للجنوب ولا لغيره، بل كانوا جزءا من اهل عمان، تضطرهم مواسم الانتخابات وايام العزاء والاعراس للسفر عبر الطريق الصحراوي. ولعل جزءا من هذه الطريق الممتد من القطرانة حتى الكرك، والتي لا يصل طولها الى 30 كم فيما مضى على العمل بها حوالي 10 سنوات دون أن تنته إلى الان، هي دليل على هذه الحال.
الجنوب واحد من عناوين مسيرة التنمية خارج عمان المدللة، ولعلنا اذا عدنا يوما مع مناطق الاغوار وبعض مدن الشمال فسنجد انفسنا ايضا امام ضعف في بنية تنموية دفعت الى الفقر وضعف الخدمات. وأحيانا ينفق وجيه مالا وفيرا لعزومة مسؤول، فلا تكون المحصلة اكثر من تعيين امين عام، لكن المنطقة تبقى على فقرها وحاجتها.
***********************************************************************
اسس الحرمان
فئات واسعة من موظفي الدولة اصابها الاحباط مما نشرته بعض الصحف عن توجه الحكومة إلى اعتماد اسس لصرف الخمسين دينارا التي قدمها جلالة الملك عونا لموظفي ومتقاعدي الدولة، تقديرا منه لظروفهم المعيشية. واحتجاج هؤلاء ان خطاب جلالته كان واضحا في منح هذه المكرمة للجميع، فلماذا تضيق الحكومة الامر وتحرم فئات واسعة ممن يزيد الدخل الاجمالي لأعضائها عن 400 دينار، علما بان هذه الفئات حُرمت من كل الزيادات السابقة، والخمسين دينارا الاولى؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة