من ركائز اي دولة ان تمتلك السلطة التنفيذية هيبة وتماسكا ومكانة في نفوس الناس, ولا نتحدث هنا عن فهم بعض الدول للهيبة عن طريق القمع والقتل والعنف, بل نتحدث عن هيبة الاداء, وتماسك الحضور, وهذا الامر لا يتحقق عبر خطابات وتأكيدات على الهيبة بل عبر ممارسة متراكمة.
ووفق معادلات اداء الدول فان من اهم ادوات الهيبة ان تكون بنية الحكومات قوية ذات امتداد شعبي, مصداقية, قادرة على الاقناع, وبشكل عام واقرب الى القاعدة والقانون: ان تكون هناك مواصفات كمالية ومتميزة لمن يقود السلطة التنفيذية, وان تكون مواصفات محصنة غير قابلة للاختراق او العبث تحت ضغط اي مرحلة او مصالح اي مراكز قوى او اي ظرف سياسي.
وعلى قاعدة "الطيبون للطيبات" فان الحكومات القوية وفق المواصفات الحقيقية قادرة على انتاج قيادات للدولة, وربما لو استعرضنا اسماء الاقوياء من السياسيين لوجدنا انهم نتاج حكومات قوية او بنى سياسية متميزة اضافة الى مواصفاتهم الشخصية, فالحكومة القوية ترفع سقف مواصفات طاقمها, ولهذا فقوة الحكومة تعني قوة الوزراء وتكون الحكومة انذاك "مدرسة" للجميع, وينتقل التقدير الى كل اوصال الوزارات والمؤسسات حتى يصل الى المواطن.
والعكس يحدث ايضا فعندما يقتنع المواطن ان من أعضاء الحكومات من هم اقل من المواصفات, بل وتتحدث المجالس عن انخفاض القدرات, فانه يصبح اقل تقديرا حتى لمدير الدائرة التي يراجعها في محافظته, وتقل في نظره مكانة الموظف انطلاقا من المقياس الشعبي بانه اذا كان الوزير بهذا المستوى فكيف سيكون حال المدير والموظف. ويصل مسلسل التقييم وضعف الهيبة الى كل موقع.
لهذا فان المطالبة او التشديد على ضرورة الحفاظ على المستوى الرفيع لقوة الحكومات عبر قوة الرؤساء والوزراء, بحيث يكونون مقنعين للناس, هذا التشديد مرده انخفاض المقاييس بشكل متراكم يؤدي الى ضعف هيبة الموقع الحكومي بكل مستوياته حتى يصل الى حارس المدرسة او عامل المياومة. فالسلطة في نظر الناس جسم واحد, وحين يقف المواطن على طابور المحاسب في اي دائرة فانه يلتزم باحترام السلطة والقانون والدولة, وليس فقط التزاما بتعليمات موظف, وحين يتوقف المواطن عندما يرى يد الشرطي تطلب منه ذلك فانه يستجيب اولا لسلطة الدولة ولقانونها وهيبتها وليس لقانون السير او اللوحة الفسفورية.
والقصة لا تبدأ او تنتهي بالحكومات بل في كل المواقع والمؤسسات, فكل صاحب موقع يحمل جزءا من هيبة السلطة التنفيذية حتى في السلطات الاخرى التشريعية والقضائية, ولهذا فان الباحثين عن هوية الدولة وهيبة السلطة التنفيذية يجب ان يتوجهوا الى المفاصل التي تحقق هذا وليس الى شكليات الادارة ولغو السياسة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة