ما كان متداولاً في النسخة الاولى لنظام الخدمة المدنية، قبل سنوات، يتضمن خطوة كبيرة واصلاحا حقيقيا في هيكل رواتب موظفي الدولة، بحيث يتغير سلم الرواتب الموجود، وتزول الاختلالات والتشوهات في الواقع الحالي. وكان هذا البند في النظام - الذي لم يخرج حتى الآن - كفيلا بإعطاء فكرة تطوير القطاع الحكومي زخماً وابعاداً حقيقية، بدلاً من الاستغراق في الشكليات و"المطويات"، والحديث النظري عن الشفافية.
رواتب موظفي الدولة ليست في نسق منسجم؛ فموظف الفئة الرابعة، مثلاً، يتقاضى في حدود 150 ديناراً، فيما يتقاضى خريج الجامعة وحامل البكالوريوس في بداية تعيينه والى السنوات الاولى من عمله ما بين 165-180 ديناراً، باستثناء معلمي التربية الذين يحصلون على راتب اكثر قليلاً، وكذلك الأمر فيما يتعلق ببعض المهن ذات العلاوات الخاصة. ولدينا ايضاً موظفو العقود الخاصة، بحيث يمكن لاي محظوظ ان يحوز على عقد - بغض النظر عن اخراجه القانوني- براتب كبير يتجاوز كل معايير واسس وسلم رواتب الدولة. وهذا الامر ممكن الاستفادة منه في حالات وظروف خاصة، لكن ليس ليكون مدخلاً لإعطاء أوضاع خاصة للبعض وإشهار سيف العدالة على البقية عبر سلم رواتب متدن!
وتعديل سلم رواتب موظفي الدولة له تأثير على الموظفين بعد التقاعد؛ فخدمة ثلاثين عاماً او اكثر مع درجة متقدمة قد لا تعطي لصاحبها تقاعداً يكفيه! لهذا، نجد موظفاً يتقاعد في الدرجة الثانية مثلاً، ولديه تقاعد لا يكاد يصل إلى 300 دينار، وهذا اختلال كبير؛ فهل من المعقول ان تكون محصلة سنوات طوال من العمل، ودرجة متقدمة، مثل هذا الراتب التقاعدي؟!
اما الضرورة الاهم لإعادة النظر في هيكلية رواتب موظفي الدولة، فهي الحفاظ على الرواتب كمصدر دخل يكفي الموظف الفرد لحياة حقيقية، وتعطيه القدرة على بناء أسرة والإنفاق عليها. فالرواتب الحكومية تعاني من تآكل حقيقي في قيمتها الشرائية بسبب الارتفاعات المتتالية في الأسعار والضرائب التي طرأت على حياة المواطن خلال عقد ونصف مضت. وخلال هذه السنوات، كانت الزيادة على الرواتب رمزية، بل وكانت تصل في السنوات الاخيرة إلى 5 او 3 دنانير ويصاحبها ارتفاعات في الاسعار! كل هذا يعني ان استمرار اوضاع الرواتب للعاملين، وتقاعداتهم بعد انتهاء خدمتهم، ستجعل من هذه الرواتب غير كافية لتأمين متطلبات الحياة، ويعني ايضاً أن أي عملية تطوير للقطاع العام، واستنهاض لهمم الموظفين، ورفع سوية ادائهم، لن تعطي اية نتيجة، لانها تتجاوز الحاجات الاساسية لجوهر عملية الإصلاح والتطوير، وهو الموظف والإنسان المسكون بثمن الخبز وأقلام رصاص أطفاله.
ما نتحدث عنه ليس زيادة الرواتب، بل إعادة هيكلتها ورفع مكانة الوظيفة العامة والحفاظ على حق المواطن في حياة معقولة. أما التمويل الذي تحتاجه مثل هذه الفكرة او الضرورة، فهذا واجب الحكومة في البحث، تماماً مثلما بحثت عن مصادر تمويل لبرنامج التحول الاقتصادي وغيره من الافكار. وكما ان الحكومات تجاوزت حقوق الدولة في اموال الاغنياء عن طريق التهرب الضريبي، الذي وصل - كما يعترف المسؤولون - الى حوالي 600 مليون دينار، فإن بإمكان هذه الحكومات ان تمارس جدية حقيقية لإنصاف مئات الآلاف من العائلات الاردنية، ومنع تحول الوظيفة الحكومية إلى مصدر رزق فرعي يحتاج صاحبه الى وسائل مشروعة وغير مشروعة لتأمين اساسيات الحياة.
الامر صعب مالياً، لكن الأصعب منه استمرار التشوه والاختلال في الجسم الاساسي للدولة الاردنية. ونتفهم جيداً موقف اهل المالية المطلين على الصعوبات المالية والاقتصادية للدولة والتزاماتها الدولية والمديونية، لكن هذا لا يلغي الحاجة الى التفكير الجاد بهذه الضرورة، حتى وان كانت على مراحل وبشكل متدرج. فكما ان القرار المالي هام وضروري، فإن المحافظة على بنية الراتب وسيلة للعيش ضرورة سياسية، وجزء من الأمن والامان الاجتماعي والسياسي؛ وواجب الدولة الوقائي ان تذهب الى الحلول الحقيقية وعلى شكل معادلات متوازنة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة