قد يعيش قادة تنظيم القاعدة بعض لحظات النشوة لنجاحهم في تنظيم ثلاثة تفجيرات عدوانية في عمان، وقد يشعر بعضهم بأجواء من الفرح البدائي لتحول هذا التنظيم الى مصدر اهتمام العالم، وان يكرر الاعلام أسماء قادته وألقابهم. لكن لحظات صدق من قادة هذه المجموعة يجب ان تجعل كل عملية قتل واستهداف للأبرياء لحظة هزيمة، ليس لهم فحسب، بل وإساءة مقصودة وظلما للإسلام الذين يزينون خطابهم الثأري بمصطلحاته.
وفي كل عاصمة او مجتمع تسيل فيه دماء الابرياء تزيد دائرة العداء والرفض لهذا التنظيم وقادته؛ فلن يقبل اي اردني او مصري او سعودي، مثلاً، أي تنظيم او مجموعة تهدد حقه في الحياة والمسير في الشارع او حضور حفل زفاف، كما حق أطفاله في الذهاب الى مدارسهم بأمن واطمئنان. وحتى بعض التعاطف الشعبي في الساحة العربية، والذي حاز عليه تنظيم القاعدة نتيجة مواقفه من السياسة الأميركية، يتلاشى يوما بعد يوم؛ فالناس ليست خاضعة للاستغفال بخطاب ثوري وبعض العمليات ضد القوات الاميركية يصاحبها استهداف للأبرياء والمدنيين في العواصم العربية والاسلامية، إذ إن سياسة الارهاب والقتل لا تجتمعان في من يقدم نفسه نصيراً للقضايا العربية والاسلامية.
ومن الناحية الفكرية، فإن تنظيم القاعدة بإصراره على القتل والعنف، يكشف عن حالة يأس لا يمكن اخفاؤها ببيانات الانترنت او الاشرطة المسجلة. فهؤلاء يعلمون انه ليس لديهم فرصة للحياة والإنجاز الحقيقي، ولهذا يلجؤون للحفاظ على الوجود إلى الحلول السهلة، من سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة في الفنادق والمناطق السياحية والأسواق. ولو كان لدى قادة هذا التنظيم رغبة او قدرة على تقييم نهجهم، لتوقفوا عند الجدوى الحقيقية لكل عمليات التفجير في السعودية وعمّان واندونيسيا ولندن، وحتى تفجيرات نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001، فكل هذه الاعمال لا تعبر عن نضج سياسي او رؤية متكاملة، ومعظمها لا يختلف في جوهره عن اي عمل غاضب يمارسه شخص في الشارع العام فيجلب الانتباه وتسيل على يديه الدماء، لكن الضجيج لا يُخفي وراءه او تحته امرا حقيقيا.
واذا توقفنا عند تفجيرات عمّان، وحتى لو سلمنا ان هذا التنظيم يستهدف الدولة وسياساتها، فهل قتل الابرياء والمدعوين إلى الافراح اداة لتغيير سياسات الدول او عقابها. وحتى الضرر او القلق الامني الذي تسببه التفجيرات فإنه يوضع في ميزان الارباح والخسائر، فمقابل هذا القلق "كسبت!" القاعدة عداء ورفض كل الاردنيين، بل ومعهم كل شعب فقد بعض اهله، وهذا الامر ينطبق على اي تفجير في اي عاصمة.
وحالة غياب الاولويات والرؤية السياسية نقرأها جيداً في توقيت العمليات؛ فتنظيم يدعي انه يعمل ضد الاحتلال الاميركي في العراق, فهل يملك الاولوية والوقت والجهد الفائض ليرسل بعض اعضائه وامواله وسلاحه الى عمان ليقتل الابرياء في الفنادق والشوارع، بينما يحيط به جيش اميركا المحتل؟! انها اشارات لا تُفهم الا بأننا امام حالة تشوه فكري وسياسي، وتنظيم يمتلك مهارة عالية في كسب العداء والاعداء والرفض، ليس لأفعاله فقط بل ولخطابه الذي تُهدَر مصداقيته، فالناس لا يعنيها الإنشاء والبلاغة، بل حمَلة رسالة الموت في صفوف العرب والمسلمين.
لقد ثبُت عبر عمر هذه المجموعات ان حقدها على دولها، وحتى مجتمعاتها، اكبر مما هو نحو الولايات المتحدة. ولهذا، فحجم الضرر الذي لحق بأميركا اقل بكثير مما لحق بالمجتمعات العربية والاسلامية. ولهذا أيضا، فإن التنظيم يعتبر نفسه منتصراً وهو يقتل العرب والمسلمين في عمان، بينما يعجز فكر الجهاد ومزاعم حمل قضايا الامة عن وصول هؤلاء "المجاهدين!" المحتلين.
إذن، التفسير واضح، وهو حقد وثأر على الذات والدول والمجتمعات العربية، يفوق الرغبة في الجهاد الحقيقي ضد اعداء الامة، والأهداف السهلة هي الاسواق ومواقف الباصات والقطارات والفنادق في عواصمنا، وأحيانا وللتغطية وإسكات الضمير، تكون الاهداف في بعض عواصم اوروبا وهم المدنيون أيضا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة