المشهد الاجمالي الاردني يظهر تجاوزاً ايجابياً لمحنة تفجيرات عمان، وان الحزن العميق على سفك دماء الابرياء قابله ارتياح لقدرة الدولة، بمؤسساتها ومواطنيها، على التماسك في مواجهة الحدث. لكننا بعد هذا المشهد على مدى اسبوع تقريباً، نحتاج الى الاشارة الى امور عديدة، من اهمها:
أولا: ان على القوى الفكرية والسياسية الاردنية التي اظهرت ادانة للاجرام، ان تذهب الى الامام خطوات اكثر رسوخاً في تحويل هذه الادانة السياسية والاعلامية الى جزء من فكرها، ومناهجها التربوية، وعمليات تثقيف كوادرها وعناصرها؛ اي ان يكون رفض العنف والاجرام وقتل المدنيين والابرياء جزءا من فكر القوى السياسية الاردنية بكل اطيافها. وهذا الرفض والادانة يجب ان يكون دون استدراكات او تحفظات، فلا مبرر لاي عمل عنف يدخل الى بيوت الناس واسواقهم ومدارسهم. وربما يكون من الواجب ان تكون المواقف المعلنة والصامتة منسجمة، اي ان لا يعتقد البعض ان مواجهة المرحلة والازمة تفرض عليه رفضاً للعنف بينما لا تزال في النفوس بعض القناعات والافكار التي تخالف او تختلف عن المواقف "السياسية" المعلنة.
ما نحتاجه هو تحول الموقف من الارهاب وقتل الابرياء الى حالة فكرية في اوصال القوى السياسية والحزبية والاجتماعية دون مواربة او ازدواجية. وما نتحدث عنه ليس انتقاصا من اي موقف، لكننا نعاني في ساحتنا السياسية من مواقف تتخذ في الاطار العام بعدا ايجابياً من ثوابت الدولة ودستورها، فيما يكون الحديث في اماكن مغلقة عن الاعتراف بالدستور والدولة جزءاً من خطاب هؤلاء. ولهذا، فالانسجام مع الذات جزء من المصداقية، سواء في هذه القضية ام في غيرها.
ثانيا: يجب ان لا نقع ضحية استدراج للوقوع في الخلط بين فكرة المقاومة والارهاب؛ فالمقاومة في اي ساحة كانت حق مشروع لمن يقع عليه ظلم الاحتلال واستلاب الحق. وهذا الحق نصت عليه الاديان والقوانين الدولية، بل والفطرة الانسانية السليمة، اما الارهاب وقتل المدنيين وهدر حق الناس في الحياة، حتى وان كان تحت شعارات المقاومة، فهي امر مرفوض. فما تم في عمان، وقبله في عواصم عديدة منها بغداد، من قتل للابرياء هو إرهاب واجرام، لكن حماسنا وصدقنا في رفض هذا الاجرام يجب ان يحفظ لنا التوازن المطلوب في التفريق بين المقاومة والارهاب، فهذا الخلط كان مطلوباً من قبل الادارة الاميركية، ومثل هذه الاعمال الاجرامية مثلت خدمة جليلة من تنظيم القاعدة للسياسة الاميركية، ولو انفقت الولايات المتحدة الملايين الكثيرة لما حصلت على هذه الخدمة السياسية والاعلامية التي قدمها لها تنظيم القاعدة باصراره على قتل الابرياء واستهداف المدنيين.
ثالثا: ان تفجيرات عمان اكدت الموقف الاردني الصادق في مواجهة الحملة التي شنتها عليه بعض القوى العراقية بعد تفجيرات الحلة، إذ تم اتهام الاردن بانه يؤيد قتل المدنيين، وان الحديث الذي تم آنذاك عن احتمال تورط اردني في ذلك الحادث والتأييد الاردني لاستهداف الشوارع والمساجد، كان افتعالاً ولتحقيق اهداف سياسية للبعض؛ فها هو الاردن يقع ضحية لارهاب مجموعات جاءت من العراق، ولا يجوز اتهام العراق بانه مصدر ارهاب وخطر على الامن الاردني!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة