يتبنى البعض وجهة نظر تقول إن الادارة الاميركية، ومن خلفها دوائر صنع القرار والدراسات قد استقرت على خيار سياسي لا يمانع في اعطاء الحركات الاسلامية المعتدلة التي لا تؤمن بالعنف، وتتبنى نهج الاصلاح عبر الديمقراطية، مساحة اكبر في الحياة السياسية العربية في مواجهة تنامي فكرة التطرف، وتجاوزها مرحلة الفكر الى التكفير والتفجير وشبكات القاعدة وافرازاتها.
وهذا الخيار كان مطروحاً - منذ حين- في اوساط دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، وكان دعاته يقولون ان استمرار التضييق على الحركات المعتدلة يعزز حالة التطرف، وان تحول هذه التنظيمات (الراشدة) الى جزء من السلطة عبر البرلمانات وحتى الحكومات كفيل بزيادة مساحة الاعتدال، وتحويله من "حالة مجانية" الى مكاسب وامتيازات لهذه الحركات وجماهيرها.
ويعتقد دعاة هذا الطرح ان تحويل الحركات الاسلامية الى جزء من السلطة سيهز صورتها امام الناس لانها ستقدم نموذجاً في الادارة لن يختلف في نتائجه عما تفعله الحكومات الان، فهامش الحركة للمعارضة والنقد والتنظير اكبر من صاحب السلطة الذي يتعامل وفق الامكانات والخيارات المتاحة.
من يتوقعون انفراجاً لاحوال الحركات الاسلامية في عالمنا العربي يعتقدون ان الادارة الاميركية ستواجه عقبات مع بعض الانظمة التي اعتادت على التحجيم والقمع، ويرون ايضاً ان مسار هذا الخيار - اميركياً- ليس سهلاً ايضاً؛ فهناك مدرستان: الاولى ترى ان الحركات الاسلامية المعتدلة والمتطرفة معا تمثل خطراً على المصالح الامريكية والاسرائيلية، وان زيادة مساحة نفوذ المعتدلين يعني خطراً مؤجلاً. بل ان هذه المدرسة ترى ان فكر الحركات المعتدلة يمثل الارضية الاولى لبناء الفكر المتطرف.
اما المدرسة الثانية التي تنادي بإعطاء المعتدلين مساحات سياسية اوسع؛ فيرون ان هذا الخيار يأتي ضمن تصنيف (اخف الضررين)، وانه لو كان الامر بيدها لما ارادت فكراً او حركات اسلامية على اي ارض. لكن قناعتها ان الفكر لا يحارب الا بمثله، وان تزايد المد الاسلامي قابل للتعاظم مع زيادة الكراهية للسياسة الامريكية وتهميش او تحجيم المعتدلين. لهذا فإن خيارها الصعب لها والمر يضمن لها اقل الخسائر. فضلاً عن مراهنتها على ان استغراق المعتدلين في مشاكل الدولة اليومية وهموم الناس في البرلمانات او الحكومات سيذهب بهم خطوة خطوة نحو فقدان البريق وانحسار النفوذ.
اما في اوساطنا العربية، فإن البعض يعتقد ان ما يحدث في مصر من فوز كبير للاخوان هو من استحقاقات هذا الخيار الذي لا يرضي الحكومة، ويرون ان منظومة الانتخابات في المنطقة (في مصر وفلسطين والعراق) قد تكون احدى آليات تجسيد نهج اعطاء الاسلاميين هامشاً اضافياً. وربما نشهد في دول اخرى آليات اخرى تتجاوز الانتخابات، وفي الساحة الأكثر سخونة وهي فلسطين، فإن مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية وما سبق ذلك من هدنة عسكرية مع اسرائيل، وما سيتبع هذا من فتحِ شهيّتِها على تقاسم السلطة مع حركة فتح، كل هذا كفيل بالانتقال البطيء او المتسارع من حركة مسلحة الى جزء من السلطة والحياة المدنية والخدمات وتأمين الوظائف للعاطلين عن العمل، وهو خيار صعب على اسرائيل، وحتى اميركا لكنه بالنسبة لهم الحل الحقيقي في اعطاء شرعية للسلطة وافرازات التسوية، حتى وان رفضت حماس اصلها وبداياتها.
وربما يتذكر البعض ان بعض دوائر صنع القرار الاميركي ادارت او شاركت او مولت حوارات متكررة مع العديد من رموز الحركات الاسلامية في اكثر من عاصمة اوروبية او عربية. فأميركا التي غرقت في مستنقع احتلالها للعراق، وتتزايد الكراهية والعداء لسياستها، وتشعر بالخوف من تزايد التهديد لمصالحها، تبحث عن حلول استراتيجية حتى لو كانت صعبة او محفوفة بالمخاطر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة