تثير حادثة الاعتذار الاسرائيلي لتركيا مشاعر الكثيرين  الذين يستشعرون عدم الاحترام والتجرؤ الاسرائيلي على العرب، وسيتساءل الكثيرون لماذا هم او من يحكمهم ليسوا كتركيا وزعمائها. اترك هذا الموضوع للكثيرين الذين تصدوا أو سيتصدون للاجابة عن مثل هذا التساؤل، وسأركز على العودة للتاريخ  القريب لفهم الخلفية التي تتصرف من وحيها تركيا.
في أواخر السبعينيات وتحديداً بعد الثورة الاسلامية في ايران ساد هناك شعور من قبل اسرائيل والولايات المتحدة بأن اسرائيل اصبحت مهددة أكثر، فانهيار النظام الملكي في إيراني كان يعني إسرائيلياً وربما أميركياً غياب حليف مهم، لكن الأهم ربما هو تحول ذلك الحليف الى عدو محتمل بدءا ببناء جزء من شرعيته على اساس العداء لاسرائيل. في تلك الأثناء كانت هناك حالة من البحث الحثيث عن بديل يملأ الفراغ الايراني في التحالف مع اسرائيل، لا سيما أن العرب حتى مع توقيع معاهدات السلام، آنذاك كانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي وقعت معاهدة سلام، ما تزال هناك لديهم مشاعر عداء متزايدة لاسرائيل. في هذا السياق يجب التذكير ان نظرية تعزيز امن ووجود اسرائيل كانت تعتمد على وجود تحالف اسرائيلي مع دول اقليمية، فعامل الجغرافيا السياسية يبدو حاسما في هذا السياق.
تركيا كانت الخيار، فهي الدولة العلمانية التي تحافظ عن علمانيتها مؤسسة عسكرية قوية، وهي الدولة التي لديها ارث امبراطورية يعود للدولة العثمانية التي سيطرت على اجزاء مما يسمى بالشرق الاوسط لحوالي 400 سنة. لقد تعززت العلاقة في مسارات اقتصادية وعسكرية وبشكل متسارع، لكن اللافت للانتباه في ذلك السياق ان الرأي العام التركي كن شبه غائب عن المشهد، لا سيما مع تراجع اقتصادي كانت تشهده البلاد. مع صعود الحركة الاسلامية في المشهد السياسي التركي بدأ المزاج التركي يتغير وذلك بسبب الاستراتيجية الذكية التي اتبعها الاسلاميون في العمل على تعزيز الهوية التركية والهوية الاسلامية معاً،  بحيث أن الاتراك بدأوا اكثر رغبة في التعبير عن آرائهم حول القضايا المحيطة بهم بما فيها تفاعلات القضية الفلسطينية. اللافت للانتباه أيضا ان تولي الاسلاميين للسلطة طوال العقود الثلاثة الماضية لم يؤثر على مسار العلاقة مع اسرائيل، وبقيت العلاقات تسير في مساراتها، حتى إن هذا الامر دفع البعض للقول "إن العالم يحتاج هذا النوع من الإسلام السياسي". لقد كانت أولويات الحكومات التركية هي إحداث تغيير في حياة الاتراك الداخلية لا سيما الوضع الاقتصادي، وعدم فتح جبهات من شأنها أن تؤثر على عملية الإحياء الاقتصادية التي كانت الحكومات منشغلة بها، وهكذا استمر تعزيز مفهومي الهويتين التركية والاسلامية للأتراك، وتبعت ذلك إنجازات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية. لقد تغير المزاج التركي العام  وتغير كنتيجة لذلك مزاج السياسيين. في هذا السياق جاءت تصريحات أردوغان الناقدة لحرب اسرائيل على غزة، وانتقاده لشمعون بيريز وتكرار انتقاده لاسرائيل خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري. التصريحات الاخيرة أخرجت اسرائيل عن طورها وتصرفت بطريقة بدت عدوانية وانتقامية بشكل كبير. السياسة التركية الخارجية تحوي رسالة واضحة بأن اسرئيل لا يمكن ان تبقى طفل العالم المدلل الذي لا يُنتقد او يسأل عندما يرتكب الفظائع. هذه الرسالة فُهمت اسرائيليا، فجاء الرد عدوانياً  ومستهيناً بقوة الدبلوماسية التركية. خلف هذا كله يجب الإشارة الى ان الحكومة الاسرائيلية برئاسة نتنياهو تحاول محاصرة الدور التركي في التفاوض مع السوريين، لاعتقادها أن تركيا تكسب الكثير دولياً من ذلك.
 أخيراً فإن حكومة أردوغان في ظل كل ما سبق تحافظ على كرامة تركيا الدولة، ومن وحي ذلك  يهدد الرئيس التركي عبدالله غول ويمهل لوصول الاعتذار الاسرائيلي. لقد حصلت تركيا على ما تريد واعتذرت اسرائيل مرتين، وربما ستعتذر عندما يزور وزير الدفاع إيهود باراك تركيا الاثنين المقبل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محجوب الزويري   جريدة الغد