في بعض جامعاتنا تطرف يمارس منذ سنوات عبر الاقتتال (والهوشات) واستعمال لغة الضرب والسكاكين والخناجر بين فئات من الطلبة. وهو تطرف له تداعيات خطرة.
بين الحين والاخر تخرج علينا قصص (الاشتباكات) داخل هذه الجامعة او تلك، والخسائر جرحى واجواء مسمومة، وهذه الهوشات تكون احيانا على خلفية اشتباك عشائري او جهوي او اقليمي، او هوشة على قضية شخصية. وفي اقصى اشكالها تطور على نتائج انتخابات مجلس الطلبة. وهذا النوع الاخير لا يعطي لهذه الاشتباكات قيمة, فالخلاف ليس سياسيا, وادواته السكاكين والعصي وغيرها من الاشياء التي لا علاقة لها بما يسمى مؤسسات المجتمع المدني.
المشكلة الكبرى ليست في ازدياد هذه الحالات من جامعة لأخرى بل حالة العجز التي تتعامل بها ادارات الجامعات وحتى الحكومات مع هذه الظواهر. ودليل العجز استمرار الظاهرة بل انتشارها، فالامر لدى هذه الادارات لا يتعدى ما يفعله اي مركز امني عندما تصل اليه مشكلة ضرب بين طرفين, وحتى العقوبات القاسية التي اتخذتها بعض الجامعات احيانا، لم تكن حلا للمشكلة بل عقاب للأسر والآباء الذين تشكل دراسة ابنائهم في الجامعات عبئا ماليا عليهم فيأتي العقاب في حرمان الطالب من الشهادة او الفصل الجزئي او الكلي. لكن لم نسمع عن دور العلم والفكر في جامعاتنا في التعامل مع هذه المشكلات وتجاوز لجان التحقيق ومكاتب عمادات شؤون الطلبة. وعندما تندلع مشاجرة يتداعى انصار كل طرف للعطوات والجاهات والواسطات! حتى اصبحت هذه الظاهرة وصمة سوء وعار في اداء جامعاتنا ومؤسسات التعليم العالي, واساءة مباشرة للجيل الجديد.
كثير منا عاش عملا طلابيا في الجامعات، ومارسنا الاختلاف السياسي والتنظيمي مع مجموعات مختلفة من اليمين واليسار والوسط، لكن لم تكن العصاة او السكين وسيلة للتعامل، ولم يسقط جرحى ولم تسل دماء. بل ان علاقة صداقة جمعت وما زالت بين طلبة مارسوا التناقض السياسي. في الحقيقة فإن المشكلة التي نغمض عيوننا عنها انه كلما قل منسوب القضايا الكبرى والجوهرية على اجندة الطلبة انشغلوا بالقضايا الثانوية والصغيرة. وكلما جفت اشكال التنافس الديمقراطي المشرف فإنه من الطبيعي ان تنشب (المشاجرات) على خلفية عشائرية او جهوية او شللية او نقتتل على قضية "فتاة جامعية"!
وعندما تعجز المؤسسات التعليمية والتربوية عن اداء دورها في توفير اجواء عمل وطني ثقافي واهتمام متوازن بالشأن العام وتعميق وسائل الحوار فإن السكين والجنزير هي وسيلة التخاطب. لهذا فالمشكلة الاساسية ليست في سلوك الطلبة، وحلها ليس في لجان التحقيق فقط بل في ضمور الساحة الجامعية، وانخفاض نسب الدسم فيها، وادارات الجامعات تبحث عن حلول شكلية وكأنها مراكز امنية،وليست امام ظواهر اجتماعية واخلاقية وسياسية هامة.
نتحدث عن التنمية السياسية والحوار ومكافحة الارهاب وما زال لدينا بؤر مكتظة بما يجب معالجته, فالذي لا يجد وسيلة لحل مشكلته مع زميله الا السكين فإنه يحمل بذرة للتطرف، والادارة الجامعية التي تغمض عيونها عن جوهر المشكلات شريك في تعميق هذه الظواهر وتتحمل المسؤولية عن تعاظمها.
لا يليق بالاردن استمرار هذا المسلسل من الارهاب الجامعي, ولا يجوز ان يسقط في جامعة عدد كبير من الجرحى وتتضرر مباني كلياتها حتى لو كان الخلاف على تحرير فلسطين وليس على مجلس طلبة شكلي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة