في امثالنا الشعبية تشبيه للاحداث والاشخاص بمثل يقوله "فلان مثل ابن السالفة" والسالفة هي الحكاية او القصة وهي مرتبطة بالسواليف، وتشبه في ثقافتنا الحديثة ما يقال عن (ابناء الافلام والمسلسلات)؛ حيث يكون احدهم طفلاً في الحلقة الاولى، ولا تمضي عدة حلقات حتى يصبح شابا ثم كهلاً. وفي الافلام تكون المسافة بين طفولته ورجولته دقائق او ربما مشاهد.
وفي الاعراف القديمة تكون (السولافة) او الحكاية في المجلس عن الشخص وخلال لحظات تأخذه الكلمات من مرحلة الى اخرى، وفي عالم الدول والحكومات اصبح مفهوم (ابن السالفة) موجوداً لكن بمقاييس ومسافات أكبر. فلدينا امثلة على من كان موظفاً او رئيس قسم في وزارته لكنه بسرعة يتحول الى أمين عام ثم وزير ثم ينتقل وزيراً الى حكومة اخرى. كل هذا يتم خلال شهور.
وكل هذا يتم في مسافة زمنية لا تحدث الا في الحكايات وعشنا ايضا جميعا حالات انتقال من وظيفة ادارية في القطاع الخاص الى ما يشبهها في وزارة ثم امين عام ثم وزير وبسرعة تفوق احدث تقنيات الاتصالات. والامثلة عديدة وتجاوزت ما كان سابقا من حديث عن وراثة المواقع من الآباء للابناء، فهذه "الوراثة السياسية" رغم كل ما عليها الا انها تحتاج الى وقت، فما بين وزارة الاب ووزارة الابن سنوات وسنوات، لكن عنصر السرعة جعل نماذج ابناء السالفة وبناتها اكثر حضوراً من الوراثة السياسية.
نظريا، فان زيادة مساحة ابناء السالفة في مسار الدول والحكومات نقيض للمؤسسية ولمعايير الكفاءة والشفافية. وهي ايضا خروج عن البيروقراطية، فالمسار البطيء يصاحب الموظف في الترفيع من درجة الى اخرى، وفي انتقاله من رئيس قسم الى مدير ادارة، اما القفز فهو للمواقع المؤثرة ولهذا جاء على هذه المواقع من قد لا يدركون تفاصيل العمل وابجدياته، فقضوا ما كُتب لهم من شهور في مواقعهم دون انجاز حقيقي. فتغيرت اطقم الاثاث في المكاتب، وتم تعيين السكرتيرات ومديري المكاتب، والسفر والمؤتمرات والحديث الاعلامي المغطى (بالجلاتين) لكن الامور بقيت على حالها، وانتقل الاردن بهؤلاء خطوة نحو كتاب جينس للارقام القياسية في مجال حملة الالقاب والتقاعدات الشاهقة.
الشفافية والمؤسسية كل لا يتجزأ وهي قيم في الادارة مثلما هي قيم واخلاق الانسان لا يمكن ان تجتمع فيها المتناقضات، لهذا فان مسيرة الاصلاح تبدأ من تعميق المؤسسية التي تنص ابجدياتها على الشعار الذي استهلكناه حديثا وهجرناه ممارسة "الانسان المناسب في المكان المناسب"، بحيث تكون امثلة (ابناء السالفة) نادرة. اما عندما تتوسع دائرتها وتصبح متوقعة وبخاصة في مفاصل العمل، فهذا يعني اننا امام حالة تستدعي العلاج.
فالاصلاح الحقيقي يبدأ في الدائرة الاهم وهي آليات صناعة قادة الاصلاح ومفكريه ومنظريه وليس في طبقات الغلابى ومستهلكي الشعارات ومن تقع عليهم اثار السياسات غير الناجحة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة