ليس غريبا الا يؤدي تبديل الانظمة وقلبها الى تغيير في واقع الحرية او تغييب للغة الكهرباء والسوط والتعذيب. وما يجري في العراق دليل على ان المشكلة لم تكن في النظام بل في العقلية. وان مزاعم تبرير الاحتلال بالبحث عن الديمقراطية سقطت، فما زالت لغة التعذيب والاجتياحات والسجون واحدة.
العبرة في بنية الدولة وسلطة القانون وقوة مؤسسات الديمقراطية وليست بتغيير الاشخاص، فالانظمة يمكن ان تغير خطابها لكنها تحتفظ بعقولها وسجونها. لهذا فمشكلة المواطن العربي مع أغلب انظمته السياسية انه لا يصدق انها ستصبح ديمقراطية.
اتذكر مواطنا اردنيا قضى سنوات من عمره وصلت الى 11 عاما في سجون دولة شقيقة. هذا المواطن لم يكن ثائرا او حامل سلاح بل شملته عقلية (الجمع العشوائي وحشو السجون)، فقضى هذه السنوات في زنزانة واحدة دون ان يتعرض لاستجواب. وفي لحظة انفراج عاد الى الاردن ومعه تجربة مريرة، فتخيل ان تقضي 11 عاما من عمرك في سجن من دون ذنب الا ان تكون في ذلك البلد الثوري.
وبعض هذه الانظمة تقوم متعمدة بتضييع المعتقل، فاذا اعتقله احد الاجهزة واسمه علي مثلا، فانه يسلمه الى جهاز اخر ويعطى اسم حمدان, والى حين ان يستقر في الزنزانة يكون قد حصل على عدة اسماء وضاع اسمه الاصلي. لهذا عندما حاولت بعض الجهات الاردنية البحث عن سجناء اردنيين في احدى الدول قيل لها انهم غير موجودين؛ لان اسماءهم الحقيقية ضاعت.
تخيلوا مثلا ان القوة المطلوبة لتغيير عقلية نظام يؤمن باستخدام ماء النار لتذويب معارضيه، فيضع المواطن في حوض من ماء النار حتى يذوب، فالعالم يستعمل هذه المواد لتطوير الصناعة، اما نحن فيستعملها بعضنا لغايات ديمقراطية!
لا مجال للحيرة في تفسير ضعف الروابط بين بعض الانظمة وشعوبها. فالشعب الذي يخاف من كل شيء ويتوقع العقاب على كل شيء ليس مضطرا للدفاع عن جلاديه، لهذا فان بعض الساحات العربية لا تحتاج الى جيوش احتلال اميركية لاسقاط انظمتها، فالامر قد لا يحتاج الى اكثر من سيارة لبيع (الايما) او الايس كريم تحمل العلم الاميركي لتحتل العاصمة.
لا نستغرب انتشار لغة القتل في بعض عواصمنا بحق حملة الاراء والاقلام، فمن اعتاد ان يهتف الناس لكل ما يقول لن يحتمل ان يقول البعض بحقه نقدا او رفضا. فالسيارات المفخخة او اطلاق النار تعبير متقدم يعبر عن ذات العقلية التي لا ترى في ماء النار الا عنصرا من عناصر الاجهزة الامنية وليس اختراعا علميا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة