تحاول الحكومة بنوايا حسنة ان تقنع الرأي العام والقوى السياسية انها جادة في تعزيز الحياة الديمقراطية، وان هذه الجدية تتمثل في الحديث عن الحوار وممارسة الانفتاح في الاستماع لكل الآراء. وهذا امر مشروع فالحكومة معنية بتشكيل انطباعات ايجابية عنها لدى الناس والأحزاب والبرلمان.
لكن هذا التوجه الايجابي يرافقه مخاوف مشروعة، فالهدف الاساسي هو الانجاز وليس الحوار الذي ليس اكثر من اداة او آلية للوصول الى نتائج، وليس هدفاً بحد ذاته. ونذكِّر الحكومة ان ما هو مطلوب منها - كما ورد في كتاب التكليف- وضع ثلاثة تشريعات مهمة: الانتخابات، الأحزاب والبلديات، اضافة الى تحويل مخرجات لجنة الأقاليم الى تشريعات تمهيداً لتجسيد الفكرة والهدف من الأقاليم. وقد طالب كتاب التكليف الحكومة بوضع القوانين "بصورة عاجلة جداً". لهذا فقياس انجاز الحكومة بمدى التزامها بكتاب التكليف، وبالتشريعات التي من المفترض ان تنجزها، وما يمكن ان ينبني عليها من خطوات سياسية مثل انتخابات الأقاليم والبلديات او انتخابات نيابية مبكرة.
هناك تخوف مشروع ان تنشغل الحكومة بالحوارات والجلسات واللقاءات وتستهلك الاسابيع والشهور في ذلك، لنجد انفسنا لم ننجز شيئاً من اصدار التشريعات. والخوف الأكبر ان يتكرر نموذج الحوار، كما كان في حكومات سابقة، والذي كان عبارة عن (تعاليل) وجلسات للحديث وليس للنقاش المنهجي. وكانت بعض الحكومات تعتقد انها تمارس عملاً ديمقراطياً بينما لا تتحرك خطوة الى الامام في تعديل التشريعات، ولهذا تراشقنا بالآراء وأحياناً الاتهامات فلم ننجز حواراً بمفهومه العلمي الحقيقي، ولم نطور تشريعاتنا.
الحوار خطوة جيدة، لكن يمكن ان يكون محكوماً بمواعيد وآليات تضمن الاستماع الى كل الآراء والاستفادة من كل وجهات النظر. هذا اذا كنا نتحدث عن رؤية حكومية واضحة لإنجاز ما عليها من واجبات تشريعية، اما اذا كان المطلوب هدر الوقت بانتظار استقرار بعض الملفات وللهروب من الاستحقاقات المهمة والحقيقية فهذا امر لا علاقة له بالديمقراطية بل هو بمثابة تكتيك حكومي!
ورغم اهمية الحوار، فهو لا يغني عن القنوات الدستورية لإقرار التشريعات، حيث مجلس النواب ولجانه وما يمثل من آراء وتوجهات فكرية وسياسية، وهنالك الإعلام ودوره، لكن بشرط ان يتم كل هذا في برنامج زمني لا يضيع جوهر الامر وهو تجسيد الخطوات السياسية القادمة.
سننظر الى حماس الحكومة وحديثها عن الاصلاح على انه جزء من نواياها الحسنة. لكن الحجم الحقيقي للتفاؤل سيكون مرتبطاً بخطواتها الجادة. فالكلام المكثف مع بداية عمل اي حكومة لا يمكن اعتباره معياراً للقياس او التقييم، وتشكيل اللجان خطوة لكنها احياناً اجرائية وليست للفعل والانجاز.
فعلى الحكومة ان تؤكد ما تعلن عنه بخطوات ملموسة، وليس عبر النوايا. ودور وزارة التنمية السياسية واللجان الحكومية المعنية ليس الحديث عن آراء شخصية بالانفتاح والديمقراطية، بل في خطوات ملموسة واضحة المعالم ضمن جداول زمنية محددة، وإلا فإننا سنكرر تجارب سابقة لم يكن رموزها رموزاً للقمع، بل كانت الحكومات مترددة غير قادرة على الانتقال خطوة الى الامام.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة