أ وليد الطيب
كاتب سوداني
العيد عندنا هو العودة للأم وتقبيل رأسها، لذا من العسير على النفس والشديد عليها أن يمضي الرجل العيد بعيد البيت، حيث لا أحد يعافيه مما مضى من عاديات الأيام، تجشمت هذه المهمة العسيرة مرات في حياتي، منها عيد في مدينة الرنك بجنوب السودان.
الرنك مدينة مفصلية:
الرنك تنتصب كهمزة وصل بين الشمال والجنوب، فالشماليون والجنوبيون يعيشون متجاورين في الأحياء، ويتوجه أبناؤهم إلى ذات المدارس، حتى مدارس الدعوة الإسلامية هناك ، كانت تستقبل كل كبد رطب من أبناء الجنوب، وقد حكى لي رئيس البعثة هناك، عن ضابط جنوبي نصراني،جاء بأبنائه الذكور والإناث لإلحاقهم بها، ولكن إدارة المدرسة أخبرته أن العدد المتاح قد اكتمل وليس ثمة سبيل لقبولهم، فبعد محاجة طويلة، طلب منهم تسجيل البنات على الأقل لأن مدارس المنظمة أحفظ لهن من المدارس التبشيرية حيث تنتشر بعض الجنح الأخلاقية ، أخبروه: أن المدارس تدرس الدين الإسلامي ومما يجعلهن عرضة لاعتناق الإسلامي، فأجاب، لا مانع عندي ماداموا مستقيمين
بتنا ليلة العيد في استراحة منظمة الدعوة الإسلامية، وكانت ليلة مباركة، الدعوة موضوعاتها والجنوبيون هم الأمل الذي تخفق له القلوب، تتوجه من أجله بالدعاء، وقصص الأيام الغنية بالخير والنماء والتجارب الدعوية الناضجة في الجنوب،هي فاكهة الحديث، وللمسلم الجنوبي نور خاص تراه في وجهه، ولقد رأيته في وجه حسن الشلكاوي، عامل بالاستراحة، وكان وجهه كاسمه حسن البسمة ، طيب القسمات، باش الملامح، دافئ الضحكات، وهو يحدثك عن ابنه طارق، وطارق اسم جامع لمعاني الفتح والنصر وذكريات الفتوة الإسلامية الأندلسية.
في صباح العيد، كأن المدينة كلها تحولت لقرية مسلمة، ثلاث مصليات ضخمة تفرق المسلمين- مجتمعين- عليها، أحدهم في استاد الرنك وآخر في السوق وثلاث في حي طرفي، أظنها في مسجد المحسن السعودي الشيخ الفوزان.. اخترنا الصلاة في الاستاد، مع آلاف المكبرة المهللة، طرق صوفية تنشر أعلامها ورآياتها في جنبات الاستاد، لحظتئذٍ تشعر بالحب الجارف لهؤلاء الصوفية، حين تجد ضارب الطبل (النوبة) دينكاوي باسق الطول، ونافخ الزمار شلكاوي، الحواريون عرب وجنوبيون، ما أروع فقه شيخ الإسلام ابن تيمية(إن الله ينصر أهل البدعة على أهل الشرك وينصر أهل السنة على أهل البدعة) وما ينفع الناس يمكث في الأرض..
المسلم العتيق:
في المصلى تجتمع ثلاث أجيال،كلها مسلمة، وأبين ما تكون هذه الظاهرة في أسرة العمدة أو السلطان، الشيخ الكبير الوضاء الذي كان يتزين بإسلامه العتيق في المصلى، ثم ابنه معتمد المحلية، وهو سياسي وداعية، وأحفاده الأطفال.. في الإسلام عميق وعريق في الجنوب وقد سبق النصرانية في الدخول إليه،حيث لم يعرف الجنوبيون المسيحية إلا بعد الأذن المشؤوم بالسماح للمنظمات المسيحية الأوروبية بالعمل في الجنوب، في العام 1841 أيام احتلال أولاد محمد علي باشا للسودان، والجنوبيون آمنوا بدعوة الإمام المهدي وخرجوا معه مجاهدين تحت راية (لا إله إلا الله) وكانوا آخر رايات المهدية سقوطاً تحت سنابك الانجليز المغتصبين..
(شيك) يحى:
عقب الصلاة، زرنا قرية تقع 40 كيلو متر جنوب الرنك ، وزار آخرون منطقة جلهاك (70 كلم جنوب شرق الرنك)، كنا برفقة شيخ يحى عبدالله رئيس بعثة منظمة الدعوة هناك، طوال الطريق كان أهالي القرى يلوحون بأيديهم له محيين ويهتفون (شيك يحى .. شيك يحي)، واحتفلت قرية "مجاك" بنا احتفاء كبيرا، إذ نحن ضيوف شيخ يحي.
والله إن لأبناء دارفور على الإسلام لفضل في جنوب السودان، فالأستاذ يحى عبدالله، تخرج في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم ستينيات القرن الماضي، أيام كان الخريج كالذهب النضار، فترك كل وظيفة مرموقة في الشمال أو المهجر العربي، ليعيش همَّ الدعوة الإسلامية، ونشر القرآن، حتى إن بعثته تمكنت من فتح 37 خلوة لتحفيظ القرآن، في منطقة الرنك وحدها، وأصبحت مدرسة منظمة الدعوة تضم قرابة 5 آلاف طالب وطالبة، من كل قبائل الجنوب. ويمثل أبناء دارفور عصب هذه الخلاوي وشيوخها وأساتذتها، وهم الرجال الذين صاهروا الجنوبيون، يستعلون بزواجهم على كل رابطة إلا رابطة الإسلام.
لقمة شهية:
في فريق إحدى القبائل الجنوبية، أصر الرجال على أن نتناول معهم الطعام، فكان قطع من (شية) الجمر، وفي مجاك تناولنا عصير برتقال (تانك)، صحيح أنه لم يكن بارداً كما عودتنا الثلاجات والمبردات الكهربائية ، لكنه كان باردا سائغا شرابه لطيب النفس التي قدمته
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :أعياد
login |