هذا العنوان تم استخدامه صحافياً قبل اكثر من عشر سنوات عندما تم اغتيال اسحق رابين، وكان عنوانا يثير الغضب لكل من يعتقد ان رابين رجل السلام والقادر على ايجاد حلول مرضية للفلسطينيين، لكنه عنوان يصلح مع غياب اي قائد في كيان الاحتلال. اما شارون فهو اكثر استحقاقا لهذا العنوان والوصف؛ فغيابه ينقص واحدا في صفوف القتلة الذين عاثوا فساداً في الارض والدم العربي عبر عقود الصراع العربي الصهيوني.
واذا اخذنا الصورة من الجانب الاسرائيلي فإن شارون بطل قومي وحامل رسالة الحركة الصهيونية، والشعب الذي يجد فيه قائداً مثل شارون يجب ان يحزن لغيابه، فقد حقق لهم الكثير مما يريدون، فهو الرجل العسكري في كل الحروب، وهو من اجتاح بيروت ومارس فيها العدوان، وهو بطل مجزرة صبرا وشاتيلا، اضافة الى مساره التاريخي ضد الشعب الفلسطيني.
كل هذه الممارسات والسياسات تنسجم تماماً مع طبيعة العقل الصهيوني وبنيته القائمة على استخدام القوة في سلب الحقوق، واعتبار العدوان الوسيلة الاهم في الدفاع عما يسمى امن اسرائيل. هذه التركيبة التي لم تنظر الى عملية السلام والتسوية والاتفاقات الا باعتبارها وسيلة وليست غاية او استراتيجية، وكان "المسار السلمي" لحل المشكلة الاسرائيلية، وليس حل مشكلة الشعب الفلسطيني او اي شعب عربي اخر.
بنية المؤسسة الصهيونية تقوم على فكرة واحدة، فإسحاق رابين الذي يعتبره البعض نصيراً للسلام له تاريخ ارهابي في كل الساحات العربية، وشمعون بيرس الذي يعتقد بعضنا انه عنوان التفاوض له سجل ارهابي طويل لا يتوقف عند عملية عناقيد الغضب في لبنان او المجزرة التي حدثت خلال تلك العملية. كلهم يحمل تاريخاً من القتل، ومنظومة القتلة تمتد من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، لكن لكل منهم طريقة في القتل واراقة الدم العربي.
والمشكلة الاساسية تكمن في الصف العربي الذي فقد كل قدراته ومبادراته لردع الطرف الآخر، حتى دخولنا كعرب وفلسطينيين الى التسوية فقد كان لغياب اي خيار اخر، ولم تملك الاطراف العربية اي بديل، لهذا تعسف الاسرائيليون في اعادة تركيب وتصميم مخرجات التسوية وفق مصالحهم. فاتفاق اوسلو يأتي بعد (13) عاماً على توقيعه دون ان يكفل للسلطة ادنى متطلبات الحكم الذاتي وليس الدولة، وخريطة الطريق اعاد شارون رسمها وفق مقاييس المصلحة الاسرائيلية، وكلما رأى في اي جزء منها خللاً في مكاسبه اعاد رسمها سواء في الانسحاب الاحادي او الجدار العازل او المنطقة العازلة في غزة.
وحتى على الساحة الفلسطينية، فقد انضمت قوى المقاومة الى مركب البحث عن مكاسب سياسية، وتحولت الى اوراق في ايدي العواصم العربية. لهذا شهدنا وشاهدنا رموز حركة حماس في غزة يلتقطون الصور باعتبارهم مرشحين للمجلس التشريعي وعلى رؤوسهم الطواقي الخضراء، ويوزعون الابتسامات, ويطربون لبعض ما يقال عن اكتساح حماس للانتخابات، وهم يعلمون ان عرفات صاحب مقولة سلام الشجعان مات وهو محاصر لا يستطيع مغادرة مقره، فكيف بعضو للمجلس التشريعي عن حي من احياء غزة!
انها بعثرة للاولويات حيث ترفع صورة الشيخ احمد ياسين عنواناً لانتخابات. ولو اراد الشيخ الشهيد ان يستغل صوره وتاريخه في عملية سياسية لما تحول الى هدف لصواريخ العدو الصهيوني. لكنها مرحلة غياب البدائل وتضخيم الصغائر، وزراعة الوهم لدى الجماهير بأن العملية السياسية رجس من عمل شيطان حين نرفضها، وهي مكسب للمقاومة والنضال حين نرى مصالحنا فيها. وكل هذا يتم في عهد شارون صاحب اوامر القتل للقادة.
نعم، نقص القتلة واحدا لكن طابور الوهم العربي يزداد بما فيه اولئك الذين لولا دماء القادة الشهداء لما اصبحوا نجوم الفضائيات واعضاء مجالس التشريع تحت ظل راية اتفاق اوسلو.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة