اذا استبعدنا موقف نواب جبهة العمل الاسلامي المعروف والمتوقع بالحجب عن كل الحكومات، فان مجلس النواب يكون قد استأنف منح الحكومات ثقة عالية وارقاما متصاعدة (84، 85، 86) للحكومات الثلاث التي عاشت معه، مع الاستثناء والاستقواء الذي تم على الحكومة السابقة التي هوجمت وهي مولود خداج، وخرجت من الحياة مثقلة بالمعاناة.
ومن الناحية الدستورية، فان من حق اي نائب او كتلة ان تمنح او تحجب، لكن مجمل الموقف يقرأ سياسيا. فحصول الحكومة على 86 صوتا من اصل 107 حضروا ومنها صوت رئيس المجلس الذي منح الثقة يعني ان المجلس قد وجد امامه حكومة غير عادية، وان حجم آماله وتوقعاته من الحكومة كبير جدا لدرجة انه لم يحجب عنها الثقة سوى ثلاثة نواب باستثناء الاسلاميين الذين لا يمنحون الثقة لأي حكومة.
هذه الثقة يمكن وصفها سياسيا بأنها "ثقة مفرطة"، لانها تعني ان هذه الحكومة استطاعت ان تقنع نواب الشعب الاردني بانها قادرة ومؤهلة لحمل تحديات المرحلة، وانجاز برنامج وطني اقتصادي وسياسي واجتماعي وديمقراطي. وهذا يعني ايضا ان المجلس يرى في الحكومة قدرات غير مسبوقة في حل مشكلات الشعب الاردني، ورفع سوية الاداء في كل المجالات.
الثقة بمفهومها السياسي تعني هذه القناعة، وتعني ان مجلس النواب يقول للاردنيين ان عليهم رفع سقف توقعاتهم من هذه الحكومة - تماما مثلما قال عن الحكومتين اللتين حصلتا على ارقام قريبة - وكأن نواب الشعب يقولون للناس انهم مطمئنون الى قدرات الحكومة وطاقمها وبرنامجها ورؤيتها. وهذا يجعل من النواب شركاء كاملي العضوية في تحمل نتائج التفاؤل وسقف التوقعات المرتفع.
ما نقوله لا يعني انتقاصا من قدر الحكومة وقدراتها، لكننا نتحدث عن اداء سياسي. فالحكومة لم تكن مدهشة في تركيبتها، وحتى الميزة الشخصية لرئيسها فانها توفرت في رؤساء سابقين، او هكذا قال عنهم النواب عندما اعطوهم الثقة المفرطة، لكن المجلس عاد للانقلاب او السخط وخيبة الامل من تلك الحكومات.
"احبب حبيبك هونا ما" قاعدة تتجاوز اطارها الاجتماعي او العلاقات الشخصية الى العمل السياسي. حتى لو كانت القناعة عالية بقدرات اي حكومة فان ما يسمى "خط الرجعة" هو اداء سياسي، خصوصا اننا نعلم ان بيانات الحكومات لم تكن يوما دليل قوة او ضعف. لكن موقف اي مجلس نواب من اي حكومة هو حكم ورسالة يبعثها للناس لرفع سقف توقعاتها وامالها، وحتى لو لم يستجب الناس لهذه الرسائل بحكم تجاربهم مع الحكومات، فان هذا لا يلغي دلالة موقف النواب وكتلهم.
الحكومة تحصل على 86 صوتا وهي لم تفعل شيئا حتى الان؛ فماذا لو حلت مشكلة البطالة او خففت الفقر وزادت الرواتب او تجاوزت بالزراعة معضلاتها، وبالتعليم ثغراته، وفعلت كل ما وعدت به؛ فما هي الارقام التي تستحقها من المجلس؟
مرة اخرى، لا ننتقص من قدر الحكومة وحقها في الحصول على ما امكنها من ارقام قياسية. لكن قيمة العمل السياسي في قدرته على ان يكون مقنعا مبنيا على اسس مفهومة ومعادلات متوازنة. فالحكومة حصلت على ثقة الأكثرية العظمى من النواب برقم اشبه بارقام ديمقراطيات عربية مع استثناء موقف الاسلاميين. مع كل الامنيات ان تكون ارقامها وانجازاتها متقاربة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة