شكوى وقناعة لدى الكثيرين بما فيهم الحكومات ان لدينا مشكلة في علاقة الاجيال مع مفردات بلادهم. ولهذا جاء منهاج التربية الوطنية في المدارس الذي يمكن ان يوفر منظومة معلومات عن التقسيمات الادارية والدستور والقوانين والمؤسسات، لكن هذا الأمر على اهميته لا يغطي كامل المساحة المطلوبة لتكون علاقة المعرفة والقناعات والمشاعر بين المواطن ووطنه.
وحتى الآن ما زلنا نتعامل مع الاردن على قاعدة اللحظة الحالية، والعلاقة مع الماضي عبر مجموعة صور وعبارات تتكرر كل عام في المناسبات. فالناس والاجيال لا ترتبط بالماضي ولا تدرك من الدولة وتاريخها الا محطات متناثرة، ومجموعة من الاسماء تظهر في برامج وثائقية موسمية.
في بلدان مثل مصر وسورية تمت صياغة التاريخ السياسي المعاصر في اعمال درامية جعلت الشباب على صلة بها. وبالكفاءة الفنية العالية تحولت هذه الاعمال الى اعمال عربية. فالجميع معجب باخلاق اهل الصالحية وبطولات اهل الشاغور وحتى التاريخ السياسي الخلافي وما فيه من انقلابات فقد ظهر في الاعمال الفنية. حتى انور السادات الذي لم يمض على موته عشرين عاما ظهر في فيلم سينمائي وقبله عبد الناصر. وكل هذا يمكن اعتباره تربية وطنية، فهذه التربية ليست فقط عبر دراسة التقسيمات الادارية ومجموعة معلومات، بل ربط بالحاضر والتاريخ حتى وان كانت احداثه وشخصياته خلافية، فالدول ليست نسقا واحدا.
هناك "فك ارتباط" بين اجيالنا وتاريخ الدولة الاردنية. ولا نتحدث هنا عن الانباط والتاريخ الاسلامي، بل عن بداية نشوء الامارة! فكم عدد الذين يعلمون عن مؤتمر عام 1928، وموقف القوى والشخصيات السياسية من الاستعمار الانجليزي للاردن، او عن القضايا القومية، او عن نشاط الاحزاب الاردنية في العشرينات والثلاثينات؟! وهل شهدنا اعمالا درامية عن شخصيات الاردن ومراحله، او عن تاريخ الديمقراطية ودور المجلس التشريعي ومجلس النواب منذ بداية الامارة حتى الان.
وحتى الاحداث التي يفترض بالدولة توثيقها وتقديمها للاجيال مثل تعريب قيادة الجيش او معركة الكرامة او تأسيس الامارة، فانها لا تختلف لدى الناس عن القراءة عن معركة العلمين. ولدى الناس ثقافة ومعرفة عن الزير سالم وبطل مسلسل الخوالي نصار وغيرها من الاحداث الدرامية اكثر من معرفتهم بتفاصيل التاريخ السياسي للدولة الاردنية.
ونشير هنا الى ان التاريخ ليس تاريخ الحكومات، بل تاريخ الدولة شعوبا وحكومات ومعارضة، وهو تاريخ الاحداث والاجتهادات السياسية. ولا خوف من اي توثيق يحمل تفاصيل كل الاراء، فكل هذا هو الاردن وتاريخه.
والتربية الوطنية ليست فقط للاشخاص والاحداث فحسب بل للمكان، ولدينا في الاردن امكنة ذات تاريخ ومكتظة بما يجب ان تعلمه الاجيال، سواء كانت من التاريخ القديم او الحديث. فالقلاع في اذهاننا حجارة مرتبطة برحلة مدرسية، او مشوار عائلي هدفه الاساسي (شوي اللحمة) مع مرور على قلعة او مقام صحابي.
قد لا نكون ظالمين اذا قلنا ان في مكتبة التلفزيون عملين تلفزيونيين للمناسبات الوطنية؛ احدهما فلم تلفزيوني عن رواية الاستاذ طاهر العدوان، والاخر تمثيلية عن الطير (شلوى) والبدوي الذي قاوم الانجليز. لكن الاهم ان ذاكرة اجيالنا خالية من كثير مما يجب ان يعلموه عن رموزنا وجنودنا والمكان والحدث الاردني.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة