قبل سنوات كتبت عن (جاجة الجمعة) التي تمثل احدى ممارسات او حتى ثقافة فئات واسعة من العائلات الاردنية على امتداد الجغرافيا الاردنية، وهذا التقليد يسمى في بعض المناطق "طير الجمعة"، لكن المضمون واحد، فهو الوجبة الاسبوعية المكتظة بالترف والدسم بعد اسبوع حافل بالمجدرة وشوربة العدس وقلاية البندورة والرز والشعيرية، وفي بعض المناطق اصناف الشوربة المختلفة.
و"طير الجمعة" لدى البعض فرصة لجمع شمل الاسرة من ابناء متزوجين او عاملين لا يأتون الى البيت الا كل اسبوع، وهذه الجاجة او مضاعفاتها يجري استثمارها بشكل روتيني ومكرر في مقلوبة زهرة او طبخة يمكن الاكثار معها من الطبيخ لتلافي العدد المحدود من قطع الجاجة قياسا لعدد افراد الاسرة.
وما دمنا في هذا الزمن نتحدث عن مشكلات الفقر، فإن في تاريخ الاسرة الاردنية مسارا؛ إذ كانت العائلات يصلها دخل شهري متواضع من راتب موظف او عسكري، وكان يكفي الكثير من متطلبات الحياة من طعام وشراب ولباس, صحيح انها ليست حياة بذخ لكنها "مستورة" وكانت جاجة الجمعة لا تغيب حتى في الاسبوع الاخير من الشهر. فالعائلات كانت تعمل بنظام بطاقات الائتمان. فلكل عائلة صفحة في دفتر الديون لدى محل الجاج والبقالة ودكانة الخضراوات وحتى لدى الحلاق، وما على الولد او البنت الا ان يذهب الى محل الخضراوات ويقول لصاحبه "بيسلم عليك ابوي اعطيني كيلو بندورة وراس ملفوف" فيكون امره مجابا. واحيانا يكون لدى الاسرة دفتر صغير يذهب به الولد الى البقالة ليكون تسجيل الديون على نسختين في دفتر الاسرة ودفتر الدكان، وهذا يشبه التوقيع على الفاتورة.
في ذلك الزمن كانت جاجة الجمعة موسما اجتماعيا له طقوس منها نقاش حول الطبخة التي ستحتضن الجاجة، لكن هناك (ثوابت) تخص الطبخة وهي التوزيع المتكرر لاجزاء الجاجة على افراد العائلة، وغالبا ما تكون حصة الام وربما الاب نظرية تشبه حصة بعض مناطق الاردن من ارقام النمو التي يضخها المسؤولون في الاعلام بحيث يعتقد من يسمعها ان ابناء القرى والمحافظات البعيدة ينالهم منها حقهم العادل.
ولعل مسار الحديث يصل بنا الى تطور سلبي في مفاهيم وممارسات دخلت المجتمع الاردني يتحدث بها بعض المختصين، ومنها كسر الحواجز وتجاوزها من فئات نحو التجمهر على ابواب صناديق الزكاة والمعونة والجمعيات وكل جهة توزع معونة او غذاء, وهذا الامر ليس مرتبطا بالفقر، فالمراحل السابقة كان الفقر فيها اوسع، والبيوت لا تحتوي من الاثاث الا خزانة متواضعة و"نملية" و"بابورا" او غازا، واللباس لا يتجدد الا كل عيد، والحذاء لا يغادر البيت الا بعد ان يعلن مصلح الاحذية العصيان المدني من كثرة الاصلاح والترقيع، ومع ذلك فإن الناس كانت تتعفف، وكانت بيوت هؤلاء تستقبل الضيوف وتؤدي واجباتها في المناسبات الاجتماعية، لكن ما حدث كسر لحواجز نفسية تجاه ممارسات ومفاهيم وثقافة.
ومن الممارسات السلبية ان لا يكون البحث عن العون لدى بعض الفئات للستر وسد الحاجة بل للبذخ في حدوده الدنيا، فلا مانع لدى البعض ان تذهب الزوجة والام او الاب لجمع الصدقة بينما الابن او الزوج لحمل هاتفه الخلوي بالنغمات الحديثة او الموديلات الفاخرة، وهذا مؤشر على احتراف جمع المعونات دون ان يكون مرتبطا بالحاجة او نقص الخبز والارز عن البيت.
الفقر ليس هو المشكلة بل منظومة القيم. فالكثير منا يعلم وقد عاش في اجواء عائلات كانت تشتري الشاي من فئة الباكيت الصغير لأنها لا تملك شراء نصف وقية، وكان جيب رب الاسرة لا يضم اكثر من (30) قرشا. لكن بنية الاسرة وثقافتها مفعمة بالقيم الجميلة، فالاسرة يمكن ان تمضي ايام الاسبوع تأكل المجدرة وشوربة العدس والمعكرونة بأجواء من الستر والعفة بانتظار الراتب، فلا يفكر الزوج بارسال زوجته الى ابواب الجمعيات وصندوق المعونة تنسج القصص وتفتعل البكاء لتعود بمعونة طارئة لهاتف زوجها المغوار.
لا نتحدث هنا عن الفئات التي لا تملك الا البحث عن المعونة لتأمين متطلبات الحياة، لكننا نقصد القيم التي تم هدرها من البعض، واصبح غير المحتاج سعيدا بحصوله على معونة غذائية او صدقة فطر او حتى وجبة غذائية توزعها سيارات المطاعم.
"طير الجمعة" ليس حكاية مسلية، بل جزء من منظومة القيم، فهذا الطير كان اهل المنزل ينسحبون من حوله بأدب واحترام وخجل اذا داهم البيت ضيف في يوم الجمعة, فالغاية ان يأكل الضيف ويكرمه اهل البيت بانتظار طير الجمعة المقبلة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة