لم يتردد وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس، من الاعتراف بأن إيران لا تمتلك حتى صدور تصريحاته أي قدرات نووية ذات طابع عسكري. تصريحات تصدر في وقت قال فيه الرئيس الاميركي إن الولايات المتحدة لن تتردد في استخدام السلاح النووي ضد من تسميها واشنطن بالدول المارقة، والتي تعد إيران احداها وفق الرؤية الأميركية. غيتس يبدو على يقين وهو يطلق هذه التصريحات، وهي تذكرنا بالتقييم الذي أصدره مجلس الاستخبارات الاميركية NIC في شهر كانون الاول 2007، والذي تحدث بوضوح حول تجميد إيران أي نشاطات نووية ذات طابع عسكري منذ العام 2003. ذلك التقييم الذي اضطر الإدارة الاميركية آنذاك برئاسة جورج بوش الابن لتخفيف حدة تصريحاتها حول إيران، لا بل يعتقد أن ذلك التقرير دفع الادارة الاميركية السابقة الى التراجع عن استخدام الخيار العسكري الذي طالما هددت به واشنطن وتهدد. ذلك التقرير دفع الاستراتيجية الاميركية الى التغيير في تعاملها مع ايران، بحيث إن الولايات المتحدة أخذت تركز على مسألة القدرات النووية الايرانية التي تسعى ايران الى تطويرها، رغم قرارات العقوبات التي أصدرها مجلس الامن منذ العام 2005. وأصبحت كلمة القدرات كلمة السر في تغير اللهجة الاميركية نحو إيران وبرنامجها النووي.
تصريحات غيتس هذه تأتي بعد حوالي أكثر من عامين على اختفاء مساعد وزير الدفاع الإيراني الاسبق علي رضا أصغري الذي اختفى في سورية، وكذلك اختفاء العالم النووي الايراني شهرام أميري الذي اختفى في السعودية، وظهر أخيرا انه موجود في الولايات المتحدة كلاجئ، كما تذكر المصادر الاميركية. فهل يمكن ان تكون تصريحات غيتس مبنية على معلومات تم الحصول عليها أميركيا من خلال هاتين الشخصيتين الايرانيتين، واذا كان الامر كذلك، فكيف نفهم كل هذا الضجيج الدولي حول البرنامج النووي الايراني وما نتابعه الآن من حشد للجهود لإصدار قرار أممي رابع بالعقوبات على إيران؟
إن من الواضح أن القناعة الاميركية ربما لم تتأصل لدى كل مستويات صناعة القرار في واشنطن، وأن هناك مؤسسات مثل الكونغرس الاميركي ما تزال ترى أن ايران تمثل تهديدا، كما ان الجهد الاستخباراتي ما يزال يرى إيران تهديدا للمصالح القومية الاميركية. الامر الآخر في هذا السياق هو أن القناعة الأميركية قد لا تكون مقنعة او مقبولة من قبل دول أخرى لديها تقديرات وتقييمات مختلفة حول طبيعة البرنامج النووي الايراني. من هنا يجب أن نفهم ان تصريحات غيتس قد لا تدفع الى تغيير جوهري في موقف المجتمع الدولي من ايران. إن موضوع البرنامج النووي الايراني ليس الجانب المقلق الوحيد أميركيا، فهناك التطوير الايراني المستمر للقدرات الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى، والتي ترى فيها واشنطن وحليفتها اسرائيل خطرا على أمن الأخيرة ووجودها، وهذا الأمر في حد ذاته يعزز من القناعة أنه من غير المتوقع حصول تغيير أصولي في الموقف الأميركي.
ان تصريحات غيتس، ومن قبلها تقرير مجلس الاستخبارات، قد لا تمثل إلا خلاصة لجهد استخباراتي تبذله الولايات المتحدة، وقد لا يكون ملزما لمؤسسات القرار الأميركية، خاصة إذا ما تذكرنا أن مسألة الصورة والتصور المسبق هي التي تحكم ديناميكية العلاقة بين واشنطن وطهران، بل بين واشنطن والغرب بشكل عام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محجوب الزويري جريدة الغد