وحده التاريخ ربما يساعد على فهم كيف تصعد الدول وكيف تتراجع، لانه ببساطة يكشف بوضوح أسرار قوة الدول كما يكشف أسرار ضعفها.
تركيا الدولة "الظاهرة" تبرز في الالفية الثالثة كقوة إقليمية تحضر مع الذين يسمون، كبارا وأقوياء وتجالسهم، لكنها في ذات الوقت تحضر برؤية وتعريف لمصالحها، هذا التعريف ليس مرتبطا بمجيء قوة سياسية أو ذهابها، الامر الذي يجعله ملزما لأي حزب أن يعمل وفقه لانه ببساطة يحقق مصلحة تركيا.
منذ حوالي عقد من الزمن والحديث عن قوة تركيا الصاعدة يتزايد، حديث يركز في معظمه على بعد مرتبط بنجاح حزب العدالة والتنمية، ربط يحمل في طياته تحذيرا من جهة، ورسالة إلى أن هذا لن يدوم. لكن هل كان الحديث بهذا الشكل دقيقا؟ والسؤال الأهم هو ما هي العوامل الكامنة والتي جعلت دورا تركيا يتزايد بل وجعلها قوية؟ للإجابة عن هذا السؤال يجدر التذكير بالمعطيات التالية:
أولا، تمتاز تركيا شأنها في ذلك شأن إيران بأنها لم تستعمر بالشكل الذي استعمرت به المنطقة العربية، ومعنى أن لا تكون الدولة مستعمرة لدولة ما هو أنها تمتلك قدرة وفضاء أرحب في تعريف مصالحها وصياغة علاقاتها. هذا التعريف للمصالح قد يطاله التغيير لكنه يبقى في إطار ومضمون واحد هو المصلحة الوطنية. عندما قررت تركيا الاعتراف بقيام الدولة العبرية كان الدافع هو أن تكون في سياق العالم الذي سمّى نفسه متحضرا، فهي بذلك اختارت الطريقة الأسهل لطي المساحات الزمنية حتى يصار الى الاعتراف بها دولة اقليمية مهمة، وهذا ما حصل بالفعل، صحيح أنها لم تكن تتبنى الخطاب الذي يريده البعض من العرب ومن غيرهم، لكنها تصرفت كنظام سياسي.
في هذا السياق يجب التذكير ان تركيا القرن العشرين كانت تعيش مخاضا من نوع آخر، وهو متعلق بهوية الدولة القوية التي تصر على أن تكون حاضرة في المشهد السياسي، هذا المخاض حسم من خلال عملية ديمقراطية صعبة، لكن الأهم أنها بنيت على قدر كبير من الاعتماد على الذات، اعتماد نقلهم من نقطة التابع إلى نقطة المساهم والشريك، بل والمبادر الذي ينظر الكثيرون الى مساعدته.
ثانيا، تركيا ليست بلدا طارئا، سواء حكم فيها الإسلاميون أو غيرهم، هذا الأمر يسانده تاريخ طويل وبصمات يذكرها الأصدقاء والأعداء.
هذا التاريخ هو الآخر قوة كامنة يتحول الى قوى ايجابية دافعة حين يحسن التعامل معه، بعبارة اخرى حين لا يصبح مشتركا تتقدم به لتذكر الآخرين بأنها لم تكن هامشية، على الأقل خلال السبعة قرون الماضية، تقدمه للعرب وللدول العربية لتذكيرهم بأنها تريد أن تعمل مع الحكومات بغض النظر عن وجود تباين في وجهات النظر.
الأهم في هذا السياق ربما هو أن تركيا تركز على الجغرافيا السياسية التي تعمل فيها، تلك الجغرافيا التي لا يمكن لأي قوة على الارض ان تنكر اهميتها وتأثيرها. تركيا بذلك تذكر بالمنهج الصيني في شرق آسيا وبالدور البرازيلي في أميركا اللاتينية، نماذج تسعى أن تركز على محيطها أولا لتنطلق للعالم.
ثالثا، الدولة التركية في القرن الحادي والعشرين تقدم نفسها نموذجا متوازنا بين الواقعية السياسية والمثالية والدفاع عن المظلومين، هو توازن يبقي الباب مفتوحا مع الدولة العبرية، لكنه في ذات الوقت لا يمنع من انتقاد إسرائيل وتجميد العلاقات معها، ذلك سيهتف له الكثيرون في مدن تركية، لانهم ببساطة يشعرون بأن غرورهم تم التجاوز عليه، وهو خطأ لا يبدو ان تركيا القرن الحادي والعشرين مستعدة للتجاوز عنه.
تركيا اليوم تُثبت أن الجغرافيا السياسية والجبهة الداخلية والثروة والإمكانات البشرية، وكذلك التاريخ، أدوات يمكن الاستثمار فيها باستخدام قوة بين القوتين الناعمة والتقليدية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محجوب الزويري جريدة الغد