قبلة على اللسان 

 

لا أعلم ما هي الفلسفة والحكمة من تلبية الرغبة الأخيرة، للمحكومين بالإعدام، قُبيل التنفيذ مباشرة؟. فهل يكون هذا التعاطف الغريب العجيب، من باب الشفقة على تلك الروح الخاطئة، كي تجد بعض الراحة، إذا ما لبي لها طلب أخير، أم إنه من قبيل جعل المحكوم يشعر بخسارة هذه الحياة، وزيادة في تأليمه وتأثيمة وزرع الحسرة في نفسه؟.

في العادة، كثير من المحكومين بالإعدام يبدون ندماً قاتلاً وشديداً، على ما اقترفت أياديهم، ويتمنون المسامحة من الآخرين، لكن قلة قليلة منهم، يتمنون أمنيات غريبة وعجيبة، قلما تلبى لهم؛ كأن يطلب بناء جسر فوق البحر، أو بناء مطار على جبل أو برج في الغيم. هؤلاء تلاقي طلباتهم ضحكة ساخرة وشدة سريعة على العنق.

أحدهم نجا من حبل المشنقة، عندما كان طلبه الأخير أن يتمشى بين عمودين في غرفة الإعدام، فأخذ يتهادى في مشيته متمتما ولاهجاً: (من العمود إلى العمود، يفرجها الرب المعبود)، وما أن أكمل الشوط الثاني من مشيته الباكية، حتى جاء العفو؛ فزوجة السلطان قد أنجبت ولداً، ومن عادته أن يعفو عن المحكوم عليهم، في مثل هذه المناسبة.

محكوم عليه آخر تمنى شيئاً عادياً ومتاحاً، وكانت جنايته القتل بدافع السرقة، تمنى قبل التنفيذ أن يرى أمه، وعندما حضرت طلب منها أن يقبلها على رأس لسانها، فاستغربت هذه الأمنية، التي أصرّ عليه بعناد. فما كان من الأم المرتابة، إلا أن فتحت فاها، ومدت لسانها، فما كان منه إلا أن عضّ عليه بكل ما أوتي من قوة وحنق، حتى سحبه من جذوره يقطر دما. عندما سئل المجرم عن سبب فعلته البشعة التي جعلت حتى الجلاد يبدي شفقة على الحالة. قال: قلعت لسان أمي؛ لأنها عندما جئت إليها، وأنا طفل صغير، ببيضة مسروقة من (خم) دجاجات الجيران أثنت عليَّ، ومدحتني، وطبطبت على ظهري، وفرحت بصنيع يدي؛ فتماديت وتماديت، ثم تدرجت من البيض إلى سرقة الدجاج، حتى أصبحت لصاً قاتلاً. فلسانها كان سبب ما أنا به الآن.

مع فارق التشبيه، أو بموازاته، فكثيرا ما يطرأ على فكر المرء هاجس غريب، أن أمتنا بحاجة ماسة وملحة، أن (تشلع) وتقلع ألسن عديدة من جذورها، ولغاليغها، وقراميها، فشعاراتهم الرنانة، وخطبهم الطنانة، وهمهماتهم المسمومة، هي التي أوصلتنا دار البوار، وهي التي خسفت فينا مصطبة التاريخ.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية