خطبة الجزر

بعد (الحمد لله) أعلن خطيب الجمعة، أنه لا يعرف ماذا سيقول في هذا اليوم الماطر، مع أنه يعلم أنه سيخاطب بشراً سيمنحونه أسماعهم لنصف ساعة أو أكثر. ثم إذا كنت لا تعرف، ماذا ستقول لنا، فلمَ لم تقم الصلاة، وترحنا بها؟.

بعد جمل ممطوطة، أخذنا خطيبنا إلى إرشادات نسمعها مراراً حول طرق التعامل مع وسائل التدفئة. فشعرت بملل الكثيرين، وغُبط الذين وجدوا حائطاً يسندون عليه ظهورهم، ويكسروا (ناعوستهم) بسلام.

طفلي همس في أذني: (ليش الشيخ مش لابس شرطي؟). فأشرت إليه بالصمت، بعد أن بلعت ابتسامتي، لأتابع مع شيخنا ضرورة الحذر من النار، وألاّ نحمّل أسلاك البيوت الكهربائية، أكثر من طاقتها.

على أهمية النصح والإرشاد، إلا أننا نشاهده عشرات المرات بطرق مصورة ومدروسة من رجال الدفاع المدني، على شاشة التلفاز، وهذا هو السبب الذي جعل مشاكسي الصغير يعتقد أن خطيبنا رجل دفاع مدني، لم يرتد زيه العسكري.

عند باب المسجد، تعترضك سيارة نقل متوسطة (بك أب)، محملة بالجزر الجميل المغسول. السيارة تحتل المدخل، وتترك لمئات المصلين متراً يتدبرون أمر دخولهم. فأوصيت البائع على ربطة جزر آخذها إن سمح لي أن أوصيه بالحق، كي يبتعد بسيارته. فابتسم ببرود، واعداً بالخير. وحين خرجنا متحصنين بمعرفة أن قابس الكهرباء (الفيش) يجب ألاّ نحمله بعدة أحمال. تزاحمنا بأجسادنا في الباب، لأن أبا الجزر أحكم قبضته تاركاً لخروجنا أقل من متر.

في عشرات خطب الجمعة، بالكاد تجد واحدة تحترم عقول الناس، ووعيهم، وتشاركهم في تفكيرهم، ولا تجعلهم يصمتون ببلاهة ينتظرون بفارغ الصبر والضجر إقامة الصلاة. خطبة الجمعة مدرسة حقيقية وملتقى أسبوعي على درجة من الأهمية.

وكي لا يقول لنا شيخنا في الجمعة القادمة، أنه لا يعرف ماذا سيقول. أرشح حالة (أبو الجزر)، والتي تبين أن عشرات الناس قد نصحوه أن يبتعد فاستعصم. أرشح هذا النموذج من أصحاب نظرية (أنا ومن بعدي الطوفان). فليس مهماً أن يؤكد على إطفاء النار قبل النوم، فيما كثيرون من أمثال أبي الجزر يشعلون حنقنا وغيضنا طوال اليوم.

حالات كثيرة سيجدها شيخنا تندرج تحت هذه (البنديرية). سيجد من يترجل ليلتقط ضمة بقدونس من الحسبة تاركاً خلفه عشرات السيارات تزمجر غيضاً بزواميرها. وحين يعود يركب سيارته دون أن تنبس عنه حتى ابتسامة اعتذار صفراء.

سألني طفلي: بابا، نسينا الجزر. فهمست بأذنه، سأبقيها للبائع وأمثاله، عله يعيد إليهم بعضاً من النظر.

بقلم رمزي الغزوي

المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية