برشوت ومرايا 

  

يصل الحد بالمتشائم أن يعتقد جازماً، أن القمر لو سقط على الأرض، فلن يصيب إلا مدينته، بل يصل به الحد في الشؤم، أنه لن يسقط إلا على أم رأسه، ويخيل إليه أنه هو المستهدف الوحيد، من دون كل الناس، ودائماً هو في دائرة الضوء الضيقة وأن العين عليه، وأنه (بوز) مدفع.

ربما نحتاج إلى لبعض المتشائمين، فإذا كان المتفائل هو الذي فكر باختراع الطائرة، وحلم بالتحليق، ومخر عباب الآفاق، والسماء، فإن المتشائم بحرصه وخوفه وشؤمه قد أوحى باختراع البرشوت (المظلة)، لكن الأمر في الغالب، لا يسير باتزان وصرامة، على مبدأ الطائرة والبرشوت.

فكثيرون لا يحيون إلا على عقلية المؤامرة، فيعتقدون جازمين أنهم مستهدفون، وان المؤامرات لا تحاك إلا ضدهم، وأنهم لا محالة واقعون في أحد الفخاخ، التي نصبت في دروبهم العاثرة، وأن الآخرين لا همّ لهم إلا الإيقاع بهم، وتخسيرهم، حتى عندما يقدم لهم الخير، يشعرون بأن هذا الخير ما هو إلا (رش علف)، أي أنهم لا يفعلون الخير لسواد عيوننا، بل أنهم سيصطادوننا كما يصطاد الصياد طيوره برش القمح.

كأن صار من الندرة ألا ننظر إلى الآخرين بأنهم (الجحيم)، بل أننا لا ننظر أبداً ولا نرى أن هناك (نعيما) بحد ذاته، وأن هذا النعيم لا يتمثل إلا في أناس نحبهم ويحبوننا بصدق، بل أننا نصطاد ونتصيد الأخطاء، ونفسر الخيرات بالسيئات، وبما أن الأخطاء كالقش تطفو دوماً على السطح، فإننا نستغل هذا المشهد من الآخرين، ولا نكلف أنفسنا الغوص إلى قيعانهم، حيث اللؤلؤ والمرجان؛ نكتفي بالمظهر.

البارانويا هي اضطراب عقلي نادر، ينمو بشكل تدريجي حتى يصير مزمناً، ويتضمن هذيان الاضطهاد والشلل والارتباك، فيسيء المريض فهم أي ملاحظة، أو إشارة، أو عمل يصدر عن الآخرين، ويفسره على أنه ازدراء به، ويدفعه إلى البحث عن أسلوب دفاع، وأسلوب تعويض، لذلك ينأى بجانبه بعيداً وينفرد بنفسه وينطوي عليها، ويتخيل أنه عظيم، وأنه عليم.

ولأنني أعتقد أن البارانويا تصيب الكثير من سكان هذا الزمن، فالنتيجة أننا لا ننظر إلى الآخر، إلا أنه عدو، ولا نتوقع منه الخير، ونتقوقع في محارة أنفسنا وصدفتها وقمقمها، ونتوهم أننا عظماء، أنبياء، لا يأتينا الباطل من بين أيادينا، أو من جانبنا.

أحزن كثيراً، عندما نملأ جدراننا بدلاً من المرايا، نملؤها مشاجب و(علاّقات)، ونتخذ ثيابا كثيرة، فكلما اتسخت بسبب من عند أنفسنا، اتهمنا الآخرين، وعلقناها ونشبناها فوق المشاجب.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية