أم السعود 

 

كنا نحتاج لهذا المطر الناعم الذي يتغلل في أحشاء الأرض، ليوقظ سبات بعض يأسنا. كنت أنتظره بفارغ الحب لأسترد ناصية عافيتي منذ زمن بعيد لم نحظ بمطر عنيد مستمر كهذا. كنت أحتاجه لأغسل روحي وتعبي، وأرطب ما تيبس من حلم ربيع قريب. كنت أتوق إليه لأستعيد توازني، وأعيد قلبي لإيقاعه الطبيعي. فهاهي زغردة مزراب تعلن دخول خمسينية الشتاء حيز الفرح والأمل الجديد. الحمد لله.

وكما لا يعجبني أن أمحو بسمتي عني، مهما نطحتني الدنيا بتكشيراتها وعبوسها، كوني من الذين يتمسكون ببذرة الأمل، حتى في مخمصة اليأس، ويزرعونها في خصب نفوسهم ونفوس من حولهم. لهذا لم ترعبني مربعانية الشتاء حينما جاءتنا بغير مطر كثير، بل تاقت روحي أن يكون ختامها مسك المطر وفألها مطر. فأهلاً بخمسينية الشتاء.

كان أجدادنا يتفاءلون كثيراً بهذه الخمسينية، ويعولون فيها الكثير لمواسمهم. وقد قسموها الى أربعة أجزاء متساوية، كل جزء يسمى (سعداً)، فيصبح لدينا بدل السعد الواحد أربعة سعودات. وقد بدأ يوم أمس (سعد الذابح)، وهو اثنى عشر يوماً نصف اليوم، وسمي بهذا؛ لأن أحدهم كان يملك ناقة واحدة، ومن شدة البرد والمطر ذبحها وأكل منها وتدثر بجلدها.

أما سعدها الثاني فهو (سعد إبلع)، فقد لاحظ أجدادنا أن الأرض في مثل تلك الأوقات تصبح لينة وطرية، مثل الإسفنجة عطشى، من كثرة المطر الذي تلقته، والذي مهما غزر فإنها تبلعه وتخبئه في جوفها لقابل الأيام، وتفجره على شكل عيون وينابيع وجداول.

ومن بعد ذلك يهل (سعد السعود)، وفيه تبدأ الحياة تدب في الأرض بشكل لافت، فيبدأ جريان الماوية في العود، والماوية هي العصارة التي تمد النبات بالغذاء بعد فترة الكمون والسبات التي مرت، ولا تخلو هذه الفترة من زيارات المطر في بدايات آذار الذي يكنز في ذاكرتنا الشعبية (سبع ثلجات كبار).

آخر السعودات في خمسينية الشتاء هو (سعد الخبايا)، حيث نقترب من لثغة الربيع الأولى، ورائحة الصيف، ويكون هذا السعد في الثلث الأخير من آذار، وسمي بذلك لأن كل ما كان مختبئا في رحم الأرض من كائنات وأزهار وورود ونبات سينتشر منتشياً على وجه البسيطة. وستنتشر جحافل فرحتنا من الآن. فأهلاً بأم السعود، خمسينية الشتاء والأمل.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية