شرش الحيا 

 

القابضون على جمر الصدق، المكابرون على وجعهم الناخر نخاع العظم. هؤلاء لا تلين عريكتهم، ولا تنكسر قناتهم، بل يبقون مرفوعي الرؤوس، ما استطاعوا في ذلك السبيلا. رغم أنهم يعرفون أن صاحب الرأس المرفوعة، سيبقى متعباً، حتى آخر ساعة في الكون.

أما من أراد أن يأكل بماء وجهه، وبصحن ضميره. فهو ينسى أن العين هي التي تأكل، وتشبع، وتقنع، أم البطن، فبئر لا قرارة لها، وأنه خاسر كل من تاجر ببطنه. والأمثلة تطول لمن حاول أن يملأ بطنه، ويفرغ رأسه.

لكن في زمن حائر، كزمننا هذا، سنستعيد مثلاً شعبياً معروفاً، ليكون قالباً لحالة ظلت تخدش ذاكرتنا كل حين، ومع كل تسريبة خبر. (فشرش الحيا)، يجيء وكأنه محبوك لأيامنا بكل تفاصيلها، فكثيرون (شلعوا) هذا الشرش، من قرميته جذوره، ورموه عند أول مصلحة لهم، ثم استراحوا من تأنيب الضمير ووخزه، ولهذا تراهم يسرحون ويمرحون في كل الجهات، يستأسدون لا تنكسر عيونهم.

في المثل أن شاباً غرق لشوشته بعشق بنت زعيم الشحاذين، ومع أن أباه صده عن هذا الزواج المسموم، إلا أنه استأسد للأمر، وعندما توجهت الجاهة لخطبة الفتاة، فقال جدها: مهر ابنتنا غالٍ، مهرها عشرة دنانير، فتبسمت الوجوه باستغراب، ثم يضيف بدهاء، شرط أن يحصل عليها العريس متسولاً، فعرضت الجاهة عليه مئات الدنانير؛ ليتجاوز عن شرطه القاسي، لكنه يصر، فلا يكون أمام الشاب إلا الرضوخ، فيلبس رث الثياب ومرقوعها ويسوح في البلاد.

وبعد جمع المبلغ يسرع لوضعه بيد الجد الذي سأله: هل شعرت بشيء غريب حصل لك في رحلة التسول؟؟، فيقول: لم أشعر بشيء إلا مع آخر بريزة (الاسم الحركي لقطعة العشرة قروش)، فقد قادني حظي لرجل شحيح لم يستجب لتوسلاتي، ولكني وحرصاً على (البريزة)، تبعته ولزقت كقرادة، فصدني بكل ما للصد من أشكال، فأحسست حينها أن شيئاً انقطع بين عيني، كانقطاع وتر مشدود، فابتسم العجوز، وأطلق قولته التي جرت مثلاً: ما دام شرش الحيا طق من بين عيونك، ما عليك خوف من الأيام؛ لأن قلة الحيا رزق دايم.

لا نخاف المستقبل؛ لأننا نصنعه. ولهذا شكراً للذين ما زالوا قابضين على جمر الحقيقة. شكراً لأننا نرأى قاماتهم تجاوز السحاب، وتعساً للذين لا تجبل لقمهم، إلا بماء وجوههم المراقة، على طرقات النفاق والدهلزة، والتحايل، وهز الذنب. تعساً لمن استمرأ واستعذب صوت انقطاع شرش حياه، وهؤلاء قاماتهم لن ترتقي للتراب.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية