ذيل القرد
في حديقة الحيوان ستدهشك عاطفة الأمومة عن القردة. فالأم المسكينة تظل قابضة بكل ما أوتيت من قوة وصبر على وليدها طيلة خمسة أشهر من ولادته، لا تتركه طرفة عين ليل نهار، حرصاً عليه، وخوفاً من أن يقترب من الأب النزق، الذي قد يوجه له ركلة عابرة للأقفاص. والطريف أن القردة الأم لا تمسك وليدها إلا من أقوى مكان في جسمه الضعيف: إنها تمسكه من ذيله المتين
.
واحدة من النظريات الشائعة التي فسرت سبب فشل العالم العربي عباس بن فرناس في محاولة طيرانه الشهيرة في الأندلس، أنه نسي أن يتخذ ذيلاً من الريش | | , فقد اهتم فرناس بالأجنحة وترييشها وتثبيتها بقوة على جسده، ولهذا دفع حياته ثمناً لهذه الهفوة العظيمة؛ هفوة أن بقي بلا ذيل عندما طار محلقاً | .
وبعيداً عن التحليق بخيال التحليلات، فالتحديق في عتمة السماء ينبئك أن الشهاب ليس إلا ذيلاً ضوئياً يلمع بشدة في عبائة الليل، لكنه سرعان ما يختفي، وكأنه لم يكن | ، ولهذا فرغم أن عباس بن فرناس خسر حياته بسبب ذيل بسيط، إلا أنه بقي نجماً دائم السطوع في سماء العالم وتاريخه، لمحاولته تعبيد الطريق أمام الحالمين من أبناء البشر بالطيران، وما الطائرة بكل تشكيلاتها وأنواعها إلا ثمرة تلك البذرة الحالمة التي غرسها ابن فرناس ورواها بدمه | | .
القردة الحقيقية من الناحية التشريحية تمتلك عقلين اثنين: عقلاً يتحكم بكل تصرفاته وانفعالاته وتجاربها وتحركاتها ونزواتها، فيما العقل الثاني مخصص بكامل تلافيفه وطاقته للذيل وتحركاته ورعشاته وإيحاءاته، ولهذا ربما لا نستغرب أن يكون ذيل القرد غاية في الأهمية من أول عتبات طفولته، وحتى آخر شجرة متشابكة يتسلقها بمساعدة ذيله المتين: ولهذا فربما ليس كافيا أن يكون للذيل عقل واحد فقط | .
أما قرودنا البشرية الحاضرة، التي يقززنا تسلقها البغيض فوق الرؤوس. هذه المخلوقات التي لا تجيد إلا التقليد بكامل حركاته وحذافيره، وتتفن مسح الجوخ والرعش بذيل النفاق والدهلزة بكل ما أوتيت من إلتواءات وتناغمات وتوسلات، هذه المخلوقات في حقيقتها (التشليحية) لا تملك إلا عقلاً واحداً هو عقل الذيل | | .
فإذا كان ابن فرناس قد سها عن ذيله، فسقط ليرفعه إبداعه نجماً أبدياً في دنيا الطيران والصعود، فإن الكثير من القردة المتسلقين الوصوليين سيسقطون على عقل ذيولهم، دون أن يتركوا أثرا صغيراً يخدش صفحة الليل مثل شهاب: أنهم لا يشكلون ذاكرة لأحد. ألا تبا لكل القردة ذات العقل الواحد، ولكل الذيول التي بلا عقل | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |