أوسكار لبشار
يبدو أن عالمنا الصاخب، العامر بالدوي الهادر، والمزركش بألوان طيف باذخة السطوع، يبدو أنه بات يميل في جوانيته، إلى شطحة صمت عابرة، ويتوق إلى هدأة لون بسيطة. فعلى مسرح كوداك في لوس أنجليس، وكما كان متوقعاً فقد فاز الفيلم الفرنسي (الفنان)، من بطولة جان دوجاردان، بأهم جوائز أوسكار لهذا العام، وهو ليس فيلما صامتاً فحسب، بل جاء بالأبيض والأسود.
في ذات الحفل يفوز الفيلم الإيراني (الانفصال) بجائزة أفضل فيلم أجنبي (أجنبي بالنسبة لأمريكا مهد الأوسكار). وهو فيلم جريء يعالج مشاكل اجتماعية. وبعيداً عن اتصال السياسة بالفن، أو انفصالهما، وبعيداً عن نظرات نقاد الفن السابع (السينما)، التي رأت أن الصمت قمة بلاغة، والأبيض والأسود حديقة ألوان وارفة. ليس غريباً أن يفوز فيلم (الفنان). فهذا عالم أكثر غرابة من جنون السينما.
ومع فوز الأبيض والأسود، إلا أنه سيبقى للشعوب الحمراء أن تفرض واقعها وإيقاعها ليس على مسرح الحياة، بل على سينما التاريخ وجغرافيته. وسيبقى للفن السابع أوسكاره العابرة للشطحات والهذيانات والجنون، والتي كيف شاؤوا جعلوها بيضاء أو سوداء صاخبة أو من غير لسان. فالجنون فنون أو أكثر.
أحزنني فوز الأبيض والأسود على أحمر الشعوب، التي لم تلتفت للقطات سينمائة مفبركة، بل كانت بعينها الحرة الحمراء تقارع بندقية ناظرة بالرصاص. وأحزنني أن يفوز الصمت على كل أصوات الثوار وحناجرهم. فيبدو أننا عالم يتفنن في نسيان الحقيقة.
البعض يفكر بمنح جائزة أوسكار التاريخ للبطل محمد البوعزيزي، فتيل اشتعالنا، والذي جعل الربيع العربي واقعاً لم يخطر على بال السينماء ومحترفيها. والبعض سيمنح جائزة أسوأ إخراج للطغاة، من زين الهاربين مرورا بمبارك. فهم اعتقدوا خائبين أنهم يستطيعون أن يفرضوا سيناريو بطش حتى النهاية.
وسنمنح جائزة الموسيقى التصويرية لأنات الوجع النابتة في بابا عمرو، وحارات عاصمة الثورة السورية حمص الشماء. سنمنحهم جائزة أفضل موسيقى ثورية، لأنه لن يخلد في أسماع الأرض، إلا صرخة حق هزمت باطلاً.
أما أوسكار بشار الأسد، فستكون الأسوأ في الإخراج والتمثيل، ليس لأنه واهم بأن الطريق إلى تحرير الجولان يمر ببابا عمر، وأن الممانعة تعني أن تمعن في سحق الناس، وأن المقاومة أن تقاوم كل نفس حر. وسيبقى أن نمنح أسوأ جائزة جمهور، لكل من عاون الطاغية، وطبل له على وقع قمع الناس.
أما جائزة الحقيقة الكبرى، فهي الحرية للسوريين، الذين سيقطفونها قريبا. فهم ثابروا وصبروا رغم بطش الطاغية ودمويته.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية