غزة وكرم الزيتون 

 

وهل سيكفي أن تلكم بقبضتك الراعشة وجه الحيط، وتلطم دفة الباب، كلما ازداد عدد الشهداء شهيداً؟. هل سيكفيك أن لا تأكل شيئاً هذا اليوم، وتغص ببعض الماء؟، هل يكفي أن تبكي في حضن كفيك، كي تتطهر من قهر علق بحبالك الصوتية بعد صرختين مباغتتين؟، هل يكفي أن تشارك بمسيرة صاخبة، كي تضيع حشرجات بكائك بين الجماهير الدافئة حد التعرق؟. هل يكفي أن تحمل شعاراً من كلمات غاضبة لا تقرؤها إلا حدقات الكاميرات؟.

هل يكفي أن تكشف عن نصف ذراعك، وتتبرع بوحدة دم دافق، على سبيل التنفيس، ثم تخرج شبه دائخ بقطنة معقمة تفتش عن مطعم يقدم لحماً مشوياً، أو عصيراً طازجاً؛ كي تسترد بعض حديدك المنقوص؟؟. هل يكفي أن تتسمر أمام التلفاز حتى الفجر تجوب الفضائيات المتلعثمة بلطخات أخبار مجازر غزة وكرم الزيتون؟.

هل سيكفي أيها المسكين، أن يتحول حبر الصحف إلى دم يعلق بالأصابع، فتمسحه لتكتب عن الحب زمن الحرب؟. هل سيكفيك أن تتساءل أيها الرومانسي في زمن البلادة العالمية عن ذلك الفارس الذي سيسقط راء الحرب؟. وهل ما زلت تؤمن أن الحرب والحب يخرجان من حنجرة واحدة.

هل سيكفي أن تتلو قصيدة من زمن العنفوان، عن تلاميذ غزة، أو عن دموع تتحول حجارة بأيادي الأطفال الأبطال؟. هل سيكفي أن تبتكر مسرحاً مختلفاً، تكون فيه المشاهد الوحيد، والمخرج والممثل والكمبارس، فما عليك، إلا أن تدخل غرفة فارغة وتواجه جداراً متجهماً، ثم توغل بالصراخ بشتائم من تحت الحزام، ثم تنهال على خديك بالصفعات، وتمزق بقايا شعرك، أو تضرب مطار صلعتك العريض.

متعبون نحن حد نخاع العظم، ونحتاج مسرحاً فارغاً إلا من جدار، ندخله صبح مساء؛ علنا نخفف لهيب غيظنا، ونتطهر من أدراننا التي تسرطنت وصارت أكبر من أحجامنا، سندخل المسرح منفردين، بعيداً عن المسرح العالمي (الفاتح) الذي انقلب الجميع فيه إلى متفرجين على طائرات إسرائيل الراجمة، سأدخله وأواجه الجدار: لست أعني غزة المبثوثة على قيد المذبحة، ولا أعني مجزرة كرم الزيتون، في حمص الذبيحة، بسكين من ادعوا أنهم سيحررون الجولان، وسائر البلاد، حتى بحر غزة. حسبي الله ونعم الوكيل.

ولست أعني حقول البارود المبلول فينا، ولست أعني النار والدمار، لست أعني الاشقاء والأخوان ولست أعني ضمير العالم، لست أعني أحداً؛ صدقني لمرة واحدة يا أيها ا ل ج د ا ر.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية