جنة من سلسبيل قدميك
حتى لو تأخرت يوماً أو يومين، فلا فرق عندي، ما دمت أنت كل أيامنا وأعيادنا، والسنة بكامل تقاويمها وساعاتها ومسراتها، فمن هذا الذي قزم عيدك الممتد، من أول كانون لأخر كانون، من ذا الذي قزمه وجعله يوما وحيداً، وهدية مطبخية براقة، أو رسالة هاتف خلوي؟؟. فصباح الخير أيتها الرائحة الطيبة.. يا أمي.
كم أتوق أن أرمي برأس المخيط باشتعالات شيبه الأولى، أرميه بحضنك ساعة أو دهراً، فحتى لو كنت أباًً لثلاثة أطفال يستهجنون إني مثلهم أيضاً أحتاج يداً تأخذ برأسك بين حين وحين، وتمسد شحمة أذني، ثم تخبؤني برائحة ثوبها. فيا صغاري الأشرار، مثلكم أنا أتوق لحضن أمي كاملاً، وأتلذذ بشجي صوتها المازال يسكن ترانيمي الأولى، إذ تلهيني على عتبات النوم بزوج حمام؛ فلماذا يا أمي نام الحمام، وطفلك ظلت تقارعه الأيام، وظل هائماً بريش الأحلام؟
.
فيومهم لا يعنيك من قريب أو بعيد، الأيام كلها أنت | ، إذ نلهث وراء جنة من سلسبيل تحت قدميك. نحن معك وبك ولك، لا نقطع حبل السّرة | ، مهما كبرنا، فلا تدوري أيتها الأرض؛ ولا تشيخي أيتها الشمس، كي لا ينبت فينا شوك القسوة، وكي لا يذبل عنا برعم الزهر، فدعي مشط أصابعك يتغلغل رأسي من جديد، ليبقيني على قيد الحب | .
الآن وكلما غافل طفلي فنجان قهوتي، ولعق بقاياه تاركا شاربين ضاحكين على شفتيه، أضمه إلي بقبلة ماسحة، وأتذكرني طفلاً كان مراراً يضبط متلبساً ببقايا القهوة، ويذكرني بأصابعك يا أمي تمسح عن خاتم فمي شاربين زائفين، ثم تنهالين علي بالقبلات وخفيف العضات، وتتمنين لي أن أكبر، وأصير رجلاً بشاربين حقيقين. فها نحن كبرنا يا أماه، ولاكتنا الأيام، وأثقلتنا الشوارب.
صباح الخير أيتها الأم الصديقية المؤنسة، صباحك طيب وأنت تزخرين بكل هذه الأمومة الممتدة: أمومة أبناء تشعبوا وفتحوا بيوتاً، وما زلتي تحملين همومهم أكثر منهم، صباح الخير، وأنت تزخرين بأمومة خالصة لأحفاد مشاكسين يثيرون البيت ضجيجاً وصخباً. فيا ربي، امنحني رأساً مرفوعاً شامخاً، وجناحاً لا ينخفض إلا لأمي وأبي ذلاً ورحمة | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
|