الرسم لغة الدنيا
ما زالت عالقة بصنارة رأسي شخابيطي وخربشاتي على خزان ماء بيتنا، وما زالت على أصابعي آثار طحين الفحم، حين كنا نرسم حروبنا البيضاء على حيطان الجيران، ونلوذ بالفرار كدجاج مفزوع، حين نسمع صرير باب يُفتح.
وما زلتُ أبحر كل يوم، إلى جزيرة بعيدة، فيها شجرة كبيرة، تصلح بيتاً يطير، ما زلت أبحر إلى هناك على متن قارب متهالك بشراع ممزق، رسمته ذات حلم، على قطعة خشب، وجدتها على قارعة التسكع.
وما زالت الفرحة تطربني بضحكات عيون الأطفال، فللتو عدت من مرسمهم ومعرضهم الفني، أكتب مقالي وأصابعي ترقص فوق الحروف كطائر مبهوج بباكورة الربيع. للتو عائد من بحر أحلامهم الهادر، فما أسعدني.
أعود من المعرض، ولم أشبع من تلك الغيمة الزهرية حين صارت عشاً لطائر غريب. أعود ولم احزر بعد اسم طائر بجناحين دائريين، ورأسه أكبر من قلعة عجلون، أعود وما زلت أحلق بقمر تتأرجح بأهداب جدائله خمس فراشات خضر وحمر. يااااااه، ما أبهى عالم الأطفال.
لو دعيت لأفتتح مصنعاً كبيراً، أو مطعماً ذا ماركة عالمية مشهورة لما استجبت، لكني أبهجني أن ألبي دعوة منتدى الأسرة الثقافي في عجلون، وأفتتح المعرض الفني لأكثر من 25 طفلاً تركوا أحلامهم وبوح أمانيهم بالرسم، ونفّسوا عن أفكارهم بلغة اللون، ولثغة الريشة والفرشاة.
أذكر رسومات طفلي خلال الحرب على غزة، أذكره كيف كان يرسم قلم الرصاص على هيئة صاروخ بغيض، وكيف كان يخرج من بين الركام وردة حمراء، يقول إنها كبرت كشجرة لأنها شربت من دماء الشهداء المطمورين هنا. وما زلت أذكر معرضاً لأطفال مدرسة بحي العامرية في بغداد، قبل عشرين سنة. حينما تحولت رسوماتهم إلى ملجأ تزعق فيه غربان الطائرات، والأجساد كانت بلا وجوه، والوجوه بلا دموع، والدموع كانت حمراء.
في الصف الأول الإبتدائي، كان لا يمكث في حقيبتي دفتر، فكلها كنت تُسلخ لتتشكل على هيئة صواريخ عابرة للأحلام، أو تصبح لوحات مجنونة لخربشات تقول أحلامي وغضبي. ولهذا أبتهج طويلاً كلما رأيت طفلاً يرسم، ويفرغ شحناته، ويلعب بالألوان، ويمازج خيالاته وأفكاره، ويماشي أحلامه كما يشاء.
أيها الآباء دعوا أطفالكم يرسمون، دعوهم يبوحون بمكنونات أنفسهم، دعوهم يتواصلون معنا بلغتهم، دعوهم يرون العالم بعيون أحلامهم، ودعونا نتمتع بعالمهم الكبير ذي الألون الباهرة الجميلة. فالرسم لغة الدنيا الخالدة.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية