استكانة شاي في بغداد
لست متفائلاً بأية نتائج يتمخض عنها مؤتمر القمة المزمع عقده غداً في بغداد. وليست تعنيني هذه القمم في زمن صارت للشعوب قمم أخرى أشهق وأعلى. لكني متفائل لبغداد المدينة الضاربة جذورها في التاريخ، أن تعود شجرتها وارفة في سماء العروبة والعالم والحياة.
في الموروث الشعبي العراقي، أن مخرزاً نُسي في حمل جمل، ولما ظعن أهله للرحيل سار متحاملاً على مخرزه الغائص في جنبه حتى تخوم الموت، وعندما وصلوا، وأنزلوا أحمالهم أبصروا فيض الدماء، جفلوا إذ ينيخ جملهم جثة باردة، وفي هذا قال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد (قالوا ظل ولم تشعر به الإبل/ يمشي وحاديه يحدو وهو يحتملُ/ ولما أبصروا فيض الدماء جفلوا/ صبر العراق صبور أنت يا جملُ)
.
لم يمت العراق، وإنما جمله الصابر سينهض من بحر دمه، وستعود بغداد حاضرة للحياة والشعر والنماء، فهذا دأبها, وأعترف أن العالم العربي، الرسمي والشعبي، قصّرا مع العراقيين في محنتهم وأوجاعهم. وهذا ما يؤسف له.
وعلى وقع مؤتمرهم، يأخذني حلم صغير إلى بغداد، أتمنى أن يتحقق قريباً، حلم يأخذني إلى المستنصرية الجامعة، بساعتها الشامخة، وورودها، وآسها الندي الذي يؤطر الممرات، وقبل جرس المحاضرة نحث الخطى نحو النادي؛ نأتلف حول قهوتنا الأولى، ونعد على عجل ما بقي من واجباتنا المقيتة، وفيروز تشدو لنهار سيكون بديعاً.
عصراً يأخذني الحلم من يدي إلى مقام الخِضر، الرابض على شبه تلة تحت جسر يصل رصافة بغداد بكرخها، وفي هذا المقام المتشح باللون الأخضر نبع ماءٍ عذبٍ يطفئُ المتعبون ظمأهم فيه؛ ويرخون أعنة أحلامهم شموعاً طافيةً على هدوءِ الماء، فكل من لديه هم، أو حبيب غائب ينتظر أوبته، وكل من لديه حلم يراوده، كان يأتي ويطوف شمعة يأخذها دجلة، فعسى الحبيب يعود ببركة الخضر، وعسى الحلم يصير حقيقة بين أصابعنا.
مساءً أطوف مع صديقي عامر، الذي ابتلعته الغربة لسنوات، وعاد مؤخراً إلى حضن حبيبته بغداد، نطوف شارع السعدون ونيمم شطر ساحة التحرير، ونقف طويلاً تحت نصب الحرية الشهير، وأسأل عامر بدموع: لماذا يتلوى هذا النصب بكل هذا الوجع؟ | .
ونصل كعادتنا إلى بائعة الشاي الصغيرة، التي اعتدنا أن نحتسي (استكانة) مهيلة، عقب كل جولة. وعلى عادته أيضاً، سيصر عامر أن تغمس الفتاة بعض إصبعها في كأس الشاي، كي يزداد حلاوة | . هل ما زلت تحب الشاي مخدراً ومحلى بأصابع الجميلات، أيها العامر؟ | . الله بالخير يا بغداد.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم البحتة
|