كما هي عادة الإعلام، أقام الدنيا ولم يقعدها منذ أن بدأت وثائق وزارة الخارجية الأميركية طريقها للرأي العام العالمي، يوما بعد يوم تأتي الأخبار وان لم نطلبها بأنباء كانت تخمينا في الماضي، ظهرت اليوم بأنها كانت تخمينات في مكانها. المثير أن إحدى وسائل الإعلام والاتصال الجديد كانت الوسيلة الآمنة لجعل العالم يعرف بكل هذه المعلومات، معرفة ستبقي سؤالا كبيرا في أذهان الملايين، ماذا تفيد هذه المعلومات بعد أن جرى ما جرى، بعبارة أخرى هل أعاد البكاء ميتاً؟
من القضايا المثيرة في ما يتعلق بتسريب الوثائق هو التباين في الردود، ففي مجتمعات تعاني من تغييب للمعلومات، وحجب لما يجري، تجد مثل هذه التسريبات حفاوة كبيرة واستقبالا حافلا، فالعطشى للمعلومة سيرتوون بمعلومات حتى وان بدت قديمة. أما في بيئة اعتبرت نفسها مجتمعات الحرية فقد تبدأ الآن تسأل: هل هي كذلك؟ بعبارة أخرى أين هي الحريات الصحافية وأين هي الشفافية وأين المصداقية في مخاطبة الرأي العام؟ كلها قضايا ستكون مجالا للشك أكثر في المستقبل. إن التباين في الردود ربما يتجاوز ذلك ليضع قضية أخرى على طاولة البحث وهي تلك المتعلقة بتعزيز نظرية العطش للمعلومة لدى القوى الكبرى.
إن ما فعلته الولايات المتحدة تفعله كل الدول بلا استثناء، لكن الفرق إن هناك قوى تريد أن تعرف لتسيطر وتحمي المصالح، وهناك من يريد المعرفة فقط ليعرف، لكنه يفتقد الرؤية إلى كيفية استخدام هذه المعلومات. إن الدارس لما يفرج من وثائق بريطانية تخص وزارة الخارجية في القرن الماضي والقرن الذي سبقه سيجد أن هناك تشابها كبيرا في بنية هذه المعلومات، وكذلك في تنوعها وتركيزها على تفاصيل كبيرة، تلك هي آلية عمل القوى التي تعتبر عظمى، كانت وستبقى ولكن الفارق الوحيد اختلاف الأدوات والتكنولوجيا.
في سياق الشرق الأوسط، تبدو الصورة مثيرة للدهشة، فالحكومات تتابع ما يسرب، وبالتأكيد توثق وتقارن وتتدارس، لكنها تبدو في مجمل ردودها محافظة. مثل هذا مفهوم فالمطلوب عدم إعطاء أي نوع من المصداقية لما يجري تسريبه، وإبقاؤه في دائرة الشك، لأن الرد كما يرى كثيرون يشمل نوعا من الاعتراف الضمني. الردود الثلاثة الملفتة للنظر من الشرق الأوسط هو الغضب التركي على التقييم الأميركي، والفرح الإسرائيلي لسكوت الوثائق عنها، وهو فرح ربما لن يطول بحسب تصريحات مؤسس موقع ويكيليكس. أما الرد الثالث فهو نوع من الشماتة في الولايات المتحدة، وربما سرور لكشف جانب تراه إيران قبيحا في سياسات أميركا. هدوء عاصفة ويكيليكس قد يبدو مصطنعا ومقصودا من جانب، ولكنه من جانب آخر يبدو مفهوما لأن الكشف عن هذه الوثائق في ما يبدو يحتاج إلى عمل كبير. ما يجب تذكره في سياق الكشف عن بعض ما احتوته الوثائق المسربة أنها حققت أهدافا سياسية سواء أراد المسربون ذلك أم لم يريدوا. تلك الأهداف ستطرح مزيدا من الأسئلة عن المعايير المزدوجة، والعام والخاص في سياسة الدول، والأهم ربما عن دور الفرد وتأثيره في الدفع إلى الحرب أو صناعة السلام.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محجوب الزويري   جريدة الغد