(فضلة) صوتك 

 

حينما حُلَّ مجلسُ النواب الخامس عشر، لم نتفاءل بمجلس جديد يختلف عنه شكلاً ومضموناً. والدليل ما حصلنا عليه تحديداً. فقط تبدلت الأسماء، ولا شيء غير الأسماء. لأن مقياس رسم خريطته ظل مستخدماً، ولأن المكيال أو (العيارة) التي وزن بها، بقيت ذاتها لم تتغير. فكيف تتوقع نتائج مختلفة من تجربة تجرى بذات الطريقة، وذات المقادير، وذات الأصابع؟.

في أول انتخابات ديمقراطية1989 كان النظام الإنتخابي المختلط سيد الموقف. وأذكر جيداً، حتى لو لم يكن لي صوت آنذاك، كيف كان الناس يفكرون في توزيع أصواتهم المتعددة بخيارات مقبولة منطقية، فأخرجوا لنا مجلساً قوياً، ما زال في البال، والذاكرة.

الصوت الأول كان يصبُّ في صندوق ابن العشيرة، وهذه حقيقة لا خلاف فيها، ولا يجوز التعامي عنها، في مجتمع عشائري، حتى في تفكيره السياسي. وبعد إطلاق الصوت الأول، تبقى الخيارات مفتوحة للناخب ليصوت للذي يمثل تفكيره، أو للذي تعجبه مواقفه، أو من يراه مناسباً.

بعض الذين نجحوا في تلك الإنتخابات، ممن لا عشيرة كبيرة تقيم مداميك فوزهم. هؤلاء لم يستندوا إلا على الخير المكنوز في نفوس الناس، وعلى الفطرة الأولى التي تبحث عن الحق والعدالة. هؤلاء كانوا يطلبون من الناخبين (فضلة) أصواتهم، أي بقية أصواتهم، فبعد أن تصوت لقرابتك ومحسوبيتك وصاحبك: امنحني صوتك.

وبالفعل خرجت أسماء كبيرة ذات وزن نوعي في ذلك المجلس، بطريقة (فضلة) الأصوات. وبعدها تم الإنقلاب على الديمقراطية ونهجها، بنظام الصوت الواحد، الذي فرقنا، وأخرج لنا مجالس نيابية على (قد اليد)، لا تمثلنا التمثيل الحقيقي.

اليوم من المفترض أن تكون مناقشة مسودة مشروع قانون الانتخاب الجديد، على جدول أعمال مجلس الوزراء، بعد فراغ اللجنة االمتخصصة من تحديد ملامحه، والتي رشح أنها تبنت نظاماً مختلطاً يجمع بين نظام الكتلة على مستوى المحافظة، الذي طبق في انتخابات 1989، ونظام التمثيل النسبي على المستوى الوطني.

سيعطي القانون الجديد للناخب ثلاثة أصوات, اثنان يستخدمهما لانتخاب أبناء دائرته، والصوت الثالث يحق له منحه لقائمة نسبية مغلقة على مستوى الوطن، والتي خصص لها 20 مقعداً. وهذا ما يعول عليه. والمهم أن لا دوائر وهمية ستدور علينا.

أحلم باليوم الذي يُمنح فيه الصوت الأول للذي يستحقه، قبل ابن العم والقرابة وابن العشيرة. وأن لا تبقى فضلة الصوت هي التي تخرج لنا المستحقين للنيابة. أحلم بمجلس نيابي يمثلنا تمثيلا حقيقاً. علنا نجتاز هذه العتبة الصعبة في تاريخنا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية