«اثنين قهوة»
في مسجد بلدتنا القديم، وقبل أن (يُلبس) بالحجر الجديد، وتلغى ملامحه التي منحته الفرادة والتميز. كان هناك أكثر من (كوة)، أو ما يشبه الخزانة، في جداره الخارجي، وقد كنا نحار من هدف وجودها، فلو كانت من الداخل؛ لقلنا: إنها تستخدم لحفظ المصاحف.
دفعني فضولي ذات طفولة لسؤال الكثيرين، ولم يشفِ غليلي، إلا رجل مسن قال: هذه كانت للخبز
، فميسور الحال كان يأتي في جنح الليل، ويضع فيها رغيفاً أو رغيفين. وأما الجائع فقد كان يأتي ويمد يده في الكوة، ويأخذ حاجته دون أن يراه أحد، ودون أن يريق ماء وجه لمذلة السؤال | .
تذكرت (كواة) الخبز، عندما وصلتني رسالة إلكترونية من صديق، تقول: ان في مدينة البندقية مقهى عجيباً، ويضيف: بينما كنا نحتسي قهوتنا، وإذ بشخص يطلب من النادل،» اثنين قهوة من فضلك واحدا منهما على (العلَّاقة)» فأحضر النادل له فنجاناً، لكنه قبل أن يغادر دفع ثمن فنجانين، وقام النادل بتثبيت ورقة على الحائط مكتوب فيها: فنجان قهوة واحد.
وبعد فترة وجيزة دخل شخصان، وطلبا ثلاثة فناجين قهوة، واحداً منها على العلاقة، فأحضر النادل لهما فنجانين فشرباهما، ودفعا ثمن ثلاثة فناجين وخرجا، فما كان من النادل إلا أن قام بتثبيت ورقة على الحائط مكتوب فيها فنجان قهوة واحد.
ولم يمضِ وقت طويل، حتى دخل شخص يبدو عليه الفقر والعوز، وطلب من النادل فنجان قهوة من العلاقة | ، فأحضره له فشربه وخرج من غير أن يدفع ثمنه | ، ثم ذهب النادل إلى الحائط وأنزل واحدة من الأوراق المعلقة، ورماها في سلة المهملات.
نزلت دمعة من عيني لرقة هذا التصرف الإنساني العظيم لمقهى البندقية. فما أجمل أن نجد من يفكر بأن هناك أناساً يحبون القهوة، ولا يملكون ثمنها. فترى المحتاج يدخل المقهى، ودون أن يتسول، ويُخدَش حياؤه ينظر إلى الحائط، ويطلب فنجاناً، دون أن يعرف من تبرع به، فيحتسيه بسرور ويمضي.
لو لم تغلق كوات الخبز بماديتنا الجديدة، وأنانيتنا العصرية، وقلة شعورنا بالمحتاجين الصامتين المتعففين عن مذلة السؤال، لقلت لكم تمنوا معي أن يدخل الموسر إلى الملحمة، ويشتري 6 كيلو لحماً، يبقي نصفهن على دف القصاب للمحتاجين، الذين لا يشمون رائحته إلا في عيد الأضحى. أو أن يدخل متجراً ويشتري كيسي أرز، واحداً يبقيه على طاولة (الكاشير) لمن يحتاجونه، أو ...أو ... | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |