الأول على صفه 

 

بعد لذع جلودنا بالأحزمة العريضة؛ إذا ما دخلنا البيت مطأطئي الرؤوس، بنتائجنا المدرسية المخزية المدججة بالخطوط الحمراء، كان آباؤنا يختتمون المحكمة الانفعالية السريعة، بمرافعة تاريخية عصماء، يسردون فيها تاريهخم وماضيهم المدرسي المجيد، ابتداءً بالكتاتيب، والقراءة عند شيخ الجامع حسب نظام (البيضة والرغيف)؛ أي كل يوم يحملون إلى شيخهم بيضة ورغيفاً، وانتهاءً بالخامس ثانوي وتغربهم عن قراهم.

يتنحنح الأب، بينما الولد ما يزال يتحسس حزوز الأحزمة النافرة، على صفحة جلده: أنا يا أزعر عمري ما طلعت إلا الأول على صفي، حتى اسأل أمك، وكنتُ فطحلاً في العلوم والطبيعة، أرسم خريطة العالم بعينين مغمضتين، وكنت حمار نسخ، وأحفظ كتاب التاريخ (كرجة مي) من الجلدة إلى الجلدة، طبعاً في هذه الأثناء كانت ترتسم ابتسامه واسعة وملوية على ثغر الأم.

أبناء صفي، كلُّ آبائهم كانوا الأوائل على صفوفهم دون منازع، حتى طلاب الخامس(أ)، وطلاب (الست ميسون)، وطلاب (الست جهاد) كل آبائهم كانوا الأوائل على صفوفهم بلا منازع(الظاهر ما كان فيه شعب؟)، وبعد قليل من التحري الخبيث خلصنا إلى قاعدة علمية مؤكدة، هي أن مدارس أيام زمان كان كل طلابها ينالون نتيجة واحدة، موحدة هي:(الأول على صفه)، أي أن كل أب بالضرورة كان الأول على صفه إبان زمنه المجيد.

ربما انعكست الصورة في هذا الزمن، فكثيرون يدعون في كل مجلس وكل جمعة، بل ويتحدثون، بأن أطفالهم الأشاوس هم أذكى الأطفال، وعدا أنهم أوائل صفوفهم، فمواهبهم طافحة، ظاهرة للعيان، فندعي أن طفلنا كان يقرأ شريط ترجمة التلفاز، وهو في البستان، وعندما صار في الثالث، ساعد شقيقته الكبرى في حل أسئلة التكامل والتفاضل، بل أنه فك الكمبيوتر قطعة قطعة وركبه.

وبعد قليل من التحري الخبيث أيضاً، سنخلص إلى قاعدة علمية ثانية: أن أبناءنا دائماً هم أذكى الأولاد(القرد بعين أمه غزال)، وأنهم أوائل صفوفهم بلا منازع.

لا أقصد الإساءة إلى طيبة آبائنا العظيمة، ولا إلى حرصهم علينا. ولا إلى محبة الآباء لابنائهم. لكني امقت هذا التضليل المشين للحاضر والمستقبل، فكما خلقنا لأنفسنا تاريخاً نضالياً مجيداً، يليق بالأنبياء والصحابة وعباقرة الزمان، فنحن وبلا شعور بلذعة الكذب، سندرج أبناءنا في مراتب لا تقل عن هذا.

بالصدق وحده، يبدو التاريخ أجمل، والحاضر يزهر مستقبلاً أبهى. فهل نحاول ألا نستغفل التاريخ؛ كي لا يبتلعنا المستقبل.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية