حفظ حرارة الطبيخ
أراد أحد السلاطين، فيما مضى، أن يتزوج بطريقة مغايرة لما هو مألوف في البلاد. فقد كانت له رؤية خاصة تجاه المرأة التي ستشاركه حياته وأحلامه، والتي ستسانده وتعاضده في أعماله. والطريقة كانت مسابقة (للطبيخ)، يحق لكل فتاة من سلطنته أن تخوضها، دون تمييز بين بنت وزير وأجير
. والفائزة تكون عروسه وأميرته | .
الفتاة التي سينضج طعامها في الزمن المحدود ستكون الفائزة | . وزعت على المتسابقات كميات متشابهة من احتياجات الطهي، وبعد أن قلب السلطان ساعته الرملية معلناً بداية المعركة المطبخية. راح يراقب المشهد بعين متفحصة.
في الميدان المطبخي الواسع، أخذت كل فتاة تسرع وتستعجل في إعداد الطبخة. ومن ثم تمعن وتبالغ في التحرك والتقليب. وكان الجميع يتساءلون: من ستكون الأميرة يا ترى؟ | . ولماذا اتخذ السلطان هذه الطريقة الغربية لاختيارها؟ | . فمن المؤكد أنه لا يريدها طاهية لطعامه | ، فالقصر يعجُّ بالطهاة الماهرين. وبالطبع كان الوزراء مع الجمهور؟ | .
معظم الفتيات انشغلن بتحريك الطبخة وتقليبها بالمغرفة (المعلقة الكبيرة ذات اليد الطويلة)، وكل حين يرفعن غطاء القدر؛ للتأكد من النضج والاستواء بجس الطعام وتذوقه. أما الفائزة، فقد كانت تلك الفتاة التي قعدت بهدوء جانب قدرها، وأخذت تذكي نارها بالحطب رويداً رويداً؛ كي لا (تشعط) الطبيخ وتتلفه، وهي لم تحاول طيلة الوقت أن ترفع غطاء القدر (الطنجرة)، وبذلك حافظت على الحرارة، التي أنضجت طعامها في الوقت المحدود، وأصبحت بفضل صبرها وعدم تلهفها، ورزانتها، أميرة للقصر، فيما الأخريات بقين حزينات مع طبخاتهن نصف النيئة.
من الواضح أن الفتاة الفائزة كانت لديها استراتيجية ثابتة منذ البداية، وكان لديها بعد نظر، فهي انهمكت في إذكاء النار بالحطب المناسب، ولم تحاول أن تبدد حرارة الطنجرة برفع الغطاء. فرفع الغطاء باستمرار وتذوق الطبخه، يطاير الحرارة المحصورة، ويؤخر النضج.
ومع الأسف، ربما نحن لا نمتلك هذه الاستراتيجية العظيمة في تعاملنا مع مشاريعنا ومخططاتنا. فجل قضايانا نديرها بالفزعة.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |