تفاح المجانين
بعيداً عن مطر أيار الطيني، وتجاوزاً عن طوزه (غباره)، الذي غطانا ووحّد لون سياراتنا، سيبقى لهذا الشهر نكهة أخرى لا تنسى. فأيار رائحة الزيزفون توشح مساءاتنا الخافتة. وأيار طفولة الزيتون، وأول لثغته وضحكته، فيطرحُ نوّاراً أبيضَ نجمي الشكل خفيفاً، ما يلبث أن ينخل (يتساقط)، تاركاً حباً صغيراً يكبر كحلم إلى موسم يملأ خوابينا زيتاً ودفئاً وحكايات.
وأيار طفولة العنب، الذي يتشابه نواره بنوار الزيتون. لكن أمانينا تجرنا إلى عناقيد تحبل به كرومنا، وتثقل فيها عرائشنا، في تموز وآب وأيلول، فيما يتأجل الزيتون إلى تشارين، وخريفها الطيب.
وفي أيار كان يلبسنا جنون متشعب الأنواع: فأحدنا يُصاب بجنون العصافير، فيجوب الأشجار والحيطان وأسقف البيوت كقرد جوال، يبحث عن أفراخ، ما زالت على قيد الزغب والرقود. وآخر يقع بجنون المشمش المسروق، لأنه يحب تشحيطته في سقف الحلق قبل النضوج.
وثالث يهوى الجوري، فيخطف وردة خمرية من حديقة الجيران؛ تكلفه جرحاً بطول قبلتين على يديه. وردة سيستجمع كامل قلبه ويرميها في طريق أم شعر كذيل حصان يلوح في مداخل المدرسة، ثم يلوذ في السور يلعق قبلتيه النازفتين. وآخر مجنون توت؛ سيصادق ولداً في بيتهم توتة حمراء
.
وكان يوحدنا جنون عميم، نصاب فيه كعاشقين. كنا نقع بجنون (الجربوح)، أو ما يعرف بتفاح المجانين، وهو نبات بري أرضي بورق أخضر عريض يشبه التبغ الكوبي، يعطي ثمراً على هيئة كرات بحجم كرة الطاولة خضراء، قبل نضجها، تتحول ذهبية في أيار.
تفاحة المجانين تمنحنا عطراً يدوم في اليدين والغرفة والبيت والمدرسة لأسبوع أو أكثر، وأتذكر أننا كنا نقع في جنونه وعشقه. فما من أحد لا وقطف حبة، أو سعى منذ أولى الربيع؛ ليخبر بيتاً له ويحفظ مكانه، ويموهه بالقش والحجارة؛ كي لا يجده سواه.
من مفارقاتنا المجونة، أننا كنا نسمي الجربوح (بالجُنين)، لإعتقادنا أن من يأكله قبل نضجه، وهو أخضر، فسيصاب بالجنون | ، وما زلت أضحك على ولد توعدنا، أن يبتلع لأجلنا حبة جربوح خضراء؛ كي يلقننا درساً بفنون الإنتقام، بعدما ناله منا بضع ركلات مباغتة.
في كل أيار، ما زلت أحرص على أن أحصل على حبة جربوح، ألاعبها كقبلة أخيرة، ثم أتركها تملأ مكتبي عطراً، يعيدني طفلاً يشتهي الورد والعصافير والجوري المسروق، عطراً ما زلت أعجب كيف لم يفطن له الفرنسيون، ليتحول إلى ماركة شهيرة تخلد ألف سنة في خزانة الذاكرة. فطبتم عطراً.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |