قبل بضع سنوات ضحكنا بدموع لصدور كتاب ألماني بعنوان (كيف تصبح فقيراً؟
)، بكينا ضاحكين شارقين بغصتنا، ليس لأنه ذكرنا بما قرأناه ذات مراهقة عن الكيفية المثلى لتصبح مليونيراً، ولا لأن غالبية الذين استدانوا لإقتناء الكتاب تربعوا على عرش (المديونيرية). بل لأنه جاء كمن يعرج في حارة المكرسحين (الكسحاء)، أو كم يتاجر بالماء في حارة السقائين. فهل من أحد يعلم النادبات فنون اللطم؟ | | .
أول أمس تداعى علينا نفس الضحك الدامع، بعد خبر عن موضة جديدة يتهيأ لها الألمان أيضاً، فهم يريدون صيفهم (تيوب لس)، أي سيعمدون إلى تقليعة انتعال الأحذية بلا جوارب، ليس لأنها مجلبة لضيق الأقدام وتخنق تنفسها، بل لأن إنتعالها على لحم الأرجل يظهر فخامة ذلك الحذاء، وثمنه الفلكي.
نظرة الألمان الرومانسية للفقر، وتقليعتهم الجديدة لحجب الجوارب، سيذكرنا بما قاله أجدادنا ذات وجع، عن عملية رش السكر على الموت، في محاولة بائسة لتحليته. ويذكرنا أيضاً بفقرائنا الظرفاء، الذين كانوا يصفون فقرهم بلغة شاعرية، محملة بكثير من الخيال.
فكان شائعاً أن فلاناً يطحن على الديك مثلاً | ، أي أنه ولشدة فقره، فالقمح الذي يأخذه إلى المطحنة يحمله الديك لقلته، بدل أن يحمله بغل أو جحش،
وقد تنبثق من هذا التصنيف اللطيف حالة شديدة التعبير، عندما يعلن أحدهم أنه اضطر لبيع ديكه الهزيل الذي كان يطحن عليه | | .
ومن الفقراء من حشر نفسه، تحت خطوط الفقر الرسمية، وأدرجها من الذين إذا ضربته بجدار فلن (يرن)، أي لن يصدر لاصطدامه بالجدار صوت، حتى لو كان كهسهسة النملة؛ فجيوبهم خالية من كل قرش أو معدن. وهنا سيصطاد بعض النبهاء الحالة ويقول: يحق له ألا يرن، فكل عملته ورق بفئات عليا | ، أو بطاقات بنكية | ، أو فواتير كهرباء وهاتف مستحقة الدفع | .
من بعد كتاب (كيف تصبح فقيراً؟)، ومن قبله كتاب (كيف تصبح مليونيراً)، وبعد أن تفاقمت علينا الأسعار، وتكسرت الأرقام على الأرقام. وبعد أن تغيرت حروف الكثير منا، لتغدو مديونيراً (من الدين). فقد نغض الطرف عن تقليعة الألمان، وجواربهم المنزوعة ترفاً وتباهياً. فهل يلفتنا هذا لقراءة فقرنا الحافي؟ | .
سأعيد تذكيركم بنظرية (الحذاء والجورب)، التي ستصبح قانوناً يسير عليه المتعبون، إن ظلت الحالة على سيرتها ورتمها ووقعها وتغاضي المسؤولين. تلك النظرية التي جرت على لسان فقير مستور منّى نفسه شراء جورب جديد، ولكنه باع حذاءه، ليأكل به | .
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |