سيظلُّ شهراً كسيحاً، نسوقه أمامنا على كرسي مدولب ونرعاه كارهين، كزوج في (الحياموت)، أي لا حيُّ فيرتجى، ولا ميتٌ فينسى
. فهل كان حريّاً بنا أن نسقط من رزناماتنا شهراً تلقى على أم رأسه كلَّ هذه الضربات والويلات؟ | . هل كان حرياً بنا أن نسقطه بصناعة مستقبل أقل ظلاماً.
مجبرون يا هذا الشهر المتخم بالهزائم، والولائم (البائتة)، مجبرون أن نبقي ماءنا في الجرة، وكلما دقَّ الكوز بها | ؛ امتلأت وجوهنا المتجعدة دموعاً، فنجهش بالوجع ونوغل في الألم حدَّ التراقي؛ فعلَّ الوجع يحزّ فينا جلداً بات ثخيناً كما ينبغي لتمساح مخضرم، وعلَّ الألم يهزُّ فينا شَعراً بات شوكاً كما ينبغي لشوك القنفذ | | .
فإذا كان حزيران، وهو الشهر التاسع من أشهر السريان، قد حَبِل سفاحاً بكل تلك المسوخ، فإنه لا يأتينا، إلاّ ومخاضه أشد ألماً من آلام منسية فائتة. فلا جذع نخلة نهزه ليساقط علينا موتا عابرا، ولا قبر نلقي فيه مسوخنا، فنريح ونستريح | .
الخامس من حزيران 1967، سقطت الضفة الغربية، وبعض دم الشهداء ما زال يطلع دحنوناً كل ربيع، في وقت هرب فيه من هرب لابساً ثياباً نسائية | ، وتخندق فيه من تخندق في تابوت أو ما شابهه، منتظراً رصاصة رحمة تريح الحياة منه | ، السادس من حزيران1982، تجتاح قوات العدو الصهيوني لبنان، وتسقط بيروت، كخنجر آخر في الخاصرة النازفة | .
السابع من حزيران 1981، سرب طائرات للعدو الإسرائيلي، تجتاح حلماً كان سيتبرعم، بأن نمتلك قوةً نووية فاعلة رادعة، لكن هذا السرب يتغلغل في العراق، ويدمر مفاعل تموز ويمسحه عن وجه الأرض؛ لنصحو على حصير الواقع الواخز؛ فنندم على كل الفستق الفارغ الذي أكلناه | .
وحزيران السنابل الملأى. لكن أصحاب المناجل البادحة (غير المسنونة)، والأيادي الملطخة بالفشل، عادوا بعدما فرح الحصادون بقمحهم، عادوا ليحصدوا عقيراً: (السنابل الفارغة التي يتركها الحصادون وراءهم).
والشمس في حزيران ستصبح أقرب إلى رؤوسنا؛ لتنضج مشمشنا، وكرزنا وخوخنا، و(خوفنا) ايضاً من مستقبل يبدو عليه الغموض | ، والتين يتقرب إلينا في هذا الشهر بثمره الدافوري (الثمار التجريبية التي تطرحها أشجار التين في حزيران). ولكنها لن تغني عن ذلك التين الموعود المشطب بأسواط العسل في تموز وآب.
وحزيران شهر الحصرم. ولهذا ستظل أسنان الأجيال القادمة تضرس من خطيئة الآباء، ما لم تتوحم الوحّامات على جيل مشرّف يأخذ بيد أمته التي ما زالت تسوق هزائمها أمامها كزوج كسيح في الحياموت | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |