غش الكتب المُصغرة 

 

تعاطفت مع التلميذ الكازخستاني الذي سلخ الكثير من وقته، وهو يعدُّ ورقة غش طولها 11 متراً، ليس لأنه لم يستطع أن يستفد منها، ويجتاز الامتحان بيسر ونجاح، بل لأنه لم يدخل موسوعة غينيتس في طول البال. لأن غشاشين هذا الزمان باتوا عجولين يريدون كل شيء جاهزاً، ومصغيراً.

فقرب قاعة ثانوية عامة، رأيت شاباً يفتش باجتهاد في أوراق صغيرة متناثرة على أرض قرب جدار المدرسة، وعندما سألناه، عن أي شيء يبحث، أجاب إنه يجمع أوراق الغش التي يتخلص منها الممتحنون حال خروجهم، فهو سيقدم الثانوية في العام المقبل، وعليه أن يكون مستعداً لدخول المعركة بكل سلاحها.

وبعد حديث مسترسل معه، يكشف لنا أن بحوزته كتباً صغيرة، هي كتب المنهاج المدرسي للثانوية العامة، بأبعاد لا تتجاوز مساحتها نصف راحة اليد وأصغر، يتسلح بها بعض الممتحنين، لأنها سهلة الدخول للقاعة للغش منها. إنها كتب مصغرة بآلات الاستنساخ الحديثة، وتباع نهار جهار في كثير من مكتبات القرطاسية، توفيراً لجهد الطلبة في نسخ غشهم بأيديهم: مساكين.

الغش أيام زمان كان معضلة، ولم يكن متاحاً ولا سهلا ولا علنياً، بل كان يحتاج إلى صبر كصبر التلميذ الكازخستاني، وعليك أن تكتب بخط صغير على ورقة رقيقة كورقة السجائر، وأحيانا تكتب بالإنجليزي زيادة في التمويه والتعمية على المراقب، أو أن تبتكر لغة خاصة، تكون كرؤوس أقلام تذكرك بموضوع لم تستطع أن تحفظه أو تهضمه. وفي كثير من الأحيان، كنتَ ترمي ورقة الغش وتتخلص منها قبل دخولك القاعة، ليس خوفاً فقط، بل لأنك تكون قد حفظت غشك كرجة مي)، وكفى الله المؤمنين القتال.)

يحلو للبعض أن يتعاملوا مع مقولة نابليون بونابارت من أن دخول حرب أسهل من دخول قاعة امتحان، ولأن الحرب خدعة، فهم يقرون بأحقيتهم بممارسة فنون الغش في الامتحانات، كونها ليست أقل من معارك حقيقية، فنسمع عن هذه الفنون والدهاليز الكثير، ونستهجن فروسية بعض الطلبة وفهلوتهم وتآزر الأهل معهم آحياناً، في هذه المهمات الغشية. وإذا كنا واثقين من إيمان رجال التربية والتعليم وأمانتهم بالوقوف بوجه كل محاولة غش غاشمة، إلا أن هذه الجريمة موجودة وتمارس وتأخذ حيزا واضحاً في امتحاناتنا.

أنا متعاطف مع الطلبة التوجيهي وأشعر بالضغط النفسي الذي يواجهونه، ولكني أكثر تعاطفاً مع مجتمعنا الذي سيتلقى صفعة غشهم حين ينخرطون في خدمته، وقد نجحوا بالهيلمة والغش والفهلوة. تصغير الكتب جريمة تقترب أن تكون جريمة أمن دولة.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية