رائحة الغروب 

 

يعجبني أن أثبّت لأطفالي هلالاً غمازاً واسعاً، على شرفة البيت، تحيط به نجوم لامعات ملونات يتناوبن على الإضاءة بتشكيلات مبهرة ومدهشة. ويعجبني أكثر أن أستعيدني طفلاً كان يعتقد أن رمضان رجل مسن بلحية بيضاء، يأتي من بعيد، حاملاً في طرف ثوبه عيداً جميلاً، حافلاً بالثياب والحلوى، والعيديات التي تخرخش جيوبنا.

فكأن رمضان يتكرر لي بأطفالي، فأراني وأنا بعمرهم أكابد نهاراً طويلاً أسأل فيه أمي عشرات المرات عن قرب الفطور. أو حين أحدث نفسي بشرب الماء، وأنا مغمض العينين، أو حين أمعن بالمضمضة في الوضوء؛ كي أرطب حلقي. وكأني أتكرر بأطفالي من جديد لما يعلمني جدي صوم درجات الجامع، فأبدأ بالصوم التدريجي حتى الظهر في اليوم الأول، ثم أزيد عليه كل يوم، حتى أصل ليوم صيام مكتمل.

دعوني أعود لأحلامي عن رمضان الذي يسكننا، ليس هرباً من جنون الأسعار الذي ينتابنا مع لحظة قدومه، بل هرباً من ثقافة هذا الاستهلاك الغبي الذي ينصب علينا، فأفرغنا رمضان من معانيه، وحولناه إلى مطبخ متخم.

لم ندرك ما رمضان الحقيقي، وأبسط صورة أن الصحون اللاقطة على ظهور بيوتنا، والتي تتواعدنا بأن لا نغمض عيوننا، هذا الصحون حلت مكان الصحون البسيطة، التي كان يتبادلها الجيران والأهل فيما بينهم قبيل الغروب، مودة ومحبة. فمن قزم رمضان فينا؟.

ولهذا سأغمض عيني قليلاً، وأرانا أطفالاً نهب إلى المسجد كالحمائم، مع أول خشخشة سماعة المئذنة المتحفزة للتكبير، نصلي جانب الكبار مفتعلين الوقار، بعد أن يفسحوا لنا ويمسدوا على رؤوسنا، وهم الذين كانوا يطردوننا شر طردة في الأيام الخوالي، وها نحن بعد الصلاة نتحلق شيخاً يرتفع بالكلام ويطيل؛ فيأخذنا التناعس والتناوم ولي الرقاب، لتبدأ موجة الإنسحابات، حتى تفرغ الحلقة من حوله.

أو نتوسل أمهاتنا بالدموع أن يوقظننا للسحور، ونقسم أيماناً غليظة، أننا سنصوم ولو لحد الظهر، ثم لنقف قرب الشبابيك نكبر مع صوت المسحراتي العجوز، الذي يجوب الحارات ضارباً طبله مترنماً بالتهاليل، ويطرق الأبواب ينادي على كل بيت باسم صاحبه: يا نايم وحد ربك.

سأغمض عيني لأستعيد رائحة الغروب، والشمس السلحفاة، وكيف كنا نصعد أسطح البيوت، نحثها على المسير الأخير، وننتظر بفارغ الجوع صوت المؤذن طويل الروح، وكيف أن شقيقنا النزق الصائم للمرة الأولى، كان يهمهم بشتائم لا تليق بالصائمين الصغار.

جميل هذا الرمضان، إذ يعيدني طفلاً صغيراً بأحلامه الكبيرة، فتبقيه على قيد الفرح.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية