سلام لدمشق وبغداد 

 

أيام الخير، كانت تشتعل في ليال رمضان العراق جولات من لعبة شعبية يحبها العراقيون كثيراً. هي لعبة (المحيبيس)، والمحيبيس، هو الفتخة، أو الخاتم الذي بلا فص. واللعبة تؤجج المنافسة بين فريقين، يقوم الأول بإخفاء الخاتم، في قبضة واحد من المتسابقين، ثم يأتي دور رجل من الفريق الثاني لمهمته إخراج الخاتم من مخبئه.

اللعبة تعتمد على الفراسة، وتصفّح الوجوه، وقراءتها، وعلى استقراء الهيئة والملامح، وعلى ملاحظة أدنى التغيرات الطفيفة، التي تطرأ على من يخفي الخاتم في قبضته، وكم كانت دهشتي عظيمة، عندما كان يخرج المتباري الخاتم من بين أكثر من مائة رجل يمدون قبضاتهم المشدودة.

ولعبة المحيبيس تتشابه مع لعبة (الصينية)، التي كانت قديماً سائدة في قرانا الأردنية، حيث يخبئ الفريق الأول الخاتم تحت فنجان، ضمن عشرة فناجين مقلوبة على صينية واسعة، ومهمة الفريق الخصم إخراج الخاتم، بأقل عدد من المحاولات، بعد تصفح وتفرّس وجه اللاعب، الذي أخفى الخاتم.

تذكرت المحيبيس على هلع قلوبنا بشلالات الدم التي غطت أرض العراق أول أمس، وكأنه لا يكفينا دم السوريين المراق في عرض البلاد وطولها. تذكرت المحيبيس لأن السلام ما زال خاتماً مفقوداًً في أرض السواد، وخاتماً مفقودا في أرض الشام.

وقد يبدو أن لا الفراسة، ولا القيافة، ولا حتى الذكاء الطبيعي، أو الصناعي كفيل بإخراج خاتم السلام من مرقده البهيم، وسط قبضات، وبحيرات الدم، ذلك لأن القبضات التي يحتمل أنه مستقر بها لا تزداد يوماً عن يوم إلا شدة وغضباً، ليس لأنها تحتوي الخاتم الموهم، بل لأن هذا الخاتم غال، ومهره أغلى، وهو في مكان آخر.

عنت على بالي السهرات الرمضانية البهيجة في مقاه بغداد، التي كانت عامرة بلعبة المحيبيس. حيث الخاتم الذي يظهر، ليبهج النفوس، ويثير التحدي. واليوم لا شيء بيدي إلا خاتم التمني، أن تعود لليالي دمشق حريتها، بعد هذا المهر الأحمر الذي دفعته من شهداء وشباب، وأن يعود العراق عامراً بالمسرات والخيرات.

لكن، خاتم السلام أصابع السوريين الأحرار، الذين صبروا والذين أثبتوا للعالم أنهم أشاوس ورجال وغى، وحماة ديار. السوريون سينتزعون قريبا حريتهم من براثن الأسد القاتل. وسيبقى خاتم السلام بيد العراقيين أنفسهم أيضاً، وما عليهم ألا أن يبحثوا جيداً بين القبضات.

فيا رب، فرّج كرب السوريين والعراقيين، وكربنا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

rasseen.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية