يا مدارس 

 

بذلنا جهداً صابراً طول أسبوعنا الماضي، لنعيد أطفالنا لقطار عادتهم القديمة: النوم الباكر. بدأنا معهم بالتدريج المتصاعد، لنغسل عنهم ما تعودوه من سهر حتى تخوم الفجر،لا سيما في رمضان الذي تقتضي لياليه هذا النمط الحياتي.

يسرحون مثل غيوم أيلول الندية على صفحة الصبح والطرقات، عابقين بثيابهم الجديدة المكوية، وحقائبهم تتهادى كهوادج على دفة الظهور. وأمهات يقفن على حرف الشارع ينتظرن باصاً ما زال يتهجى عنوان البيت.

كم يبهجني جيشنا الجرار، حين يعود إلى ميادينه. تبهجني لذعة الزعتر في لفائفهم المخبأة تحت الكتب. وشعر محزوم كذيل فرس جموح يلوح لبنت هرعت لصديقاتها، وتبهجني روؤس لامعة (بالجل) كنجوم حطت أرضاً، وترويني (مطرة الماء) المثلوج تدمع بيد طفل يتعلق بأبيه على بوابة مدرسة صاخبة. فأهلا بعودتكم يا مستقبلنا.

في كل عودة مدرسة، تتلبسني رائحة كتبي الأولى وتغمرني بذكراها وصورها حتى النخاع. فأستعيد يومي المدرسي الأول. فهل تنسى أيها الأربعيني كتبك الملونة، تعبق بحقيبة صغيرة حمراء على ظهرك الصغير، فتتمايل بها كمحارب تعبان، لكنك تستقيم كفارس لما تصل حوش الدار، وتنادي أمك بصوت مسموع، كي تعرف بنت الجيران، أن طالب الروضة قد عاد، وليس مثلها ظلت قطةً في دفء البيت.

ولن تنسى صورتك في الطابور بعد الجرس الأول، وأنت تتأكد كل حين بيدك الصغيرة، من شاليشك الجميل اللامع (مفرق الشعر)، فتأمرك المعلمة أن تقف مستقيماً، في هذا الخط الطويل المبعوج، فلا يعجبك كلامها؛ فتنال ركلة خفيفة على مؤخرتك.

ويا أيها الأربعيني، قد تنسى يومك الأول في العمل أو في الكتابة، ولن يغيب من بالك بكاؤك المفتعل، حين تركت أمك يدك المعرقة، فبكيت أو تباكيت ولم تسكت، إلا عندما ضاعفت لك المصروف؟، وهل تنسى ضحك الأولاد الذي يشبه مقاقاة الدجاج المفزوع، إذ الولد السمين يبللُ بنطاله حتى كعب حذائه، عندما خوفته المعلمة بغرفة الفئران؟.

وهل تنسى نومك بحذائك الضيق الجديد؛ كي يطلع نهار المدرسة باكراً كصباح العيد؟، فلو أنك تحيا العمرين، فلن تنسى يومك الأول في مدرستك الأولى، فوردة لكل أبنائنا الذين يماشون أحلامهم البكر في يومهم الدراسي الجديد. ووردة لمعلميهم ومعلماتهم.

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية