ما إن سلّم الإمام، حتى نهضتُ؛ لأدرك الركعة التي فاتتني، فيما ولج المصلون في التسبيح والتهليل، وقام بعضهم لركعتي السنة، وقبل أن أنهي، وقف رجلٌ، عليه مسحة الوقار، والهيبة، في الصف الأول.

حمد الله، وأثنى عليه، وحوقل، وهلل، واسترجع، ثم صلّى على الرسول وآله، وأمرنا ونفسه، بتقوى الله، ولزوم طاعته، وحذّرنا من مغبة عصيانه، ثم حبب إلينا الآخرة، وكرَّه الدنيا في نفوسنا.

أيها الأخوة:هذه الجنازة المسجّاة أمامنا، وأشار بيده، بعد أن عدَّل كوفيته المائلة، كان صاحبها حيّاً يرزق، منذ يومين، قبل أن تمتد إليه يد الطيش، والرعونة، والسرعة، وتصرعه، وتذره ممدداً، على قارعة الطريق، وحيداً، ما من أحد يحفل به، أو يسعفه.

أيها الأخوة؛ أخواي وأنا، وأشار إلى رجلين، وجدناه وقد جفَّ جلده، ونشف، وتشقق، ولونه قد بدا شديد القتومة، والسواد، فتعاضدنا على حمله مسرعين، إلى مشفىً قريب، فعسانا ندرك منه نفساً، أو نبضاً، فأدخلوه العناية الفائقة، ولم تطاوعنا قلوبنا بتركه، فجلسنا ننتظر الفرج.

أخوتي في الله؛ بعد يومين، أبلغنا المشفى بموت صاحبنا، فاسترجعنا، ومما زاد حزننا، أننا لم نجد له قريباً، أو صاحباً، وكلما ذكرناه في الناس؛ قالوا: كان صالحاً، وحيّاً، ومعطاءً، لكنه مقطوع من شجرة.

عباد الله: أننا، ولولا ضيق ذات اليد، لآثرنا كفالة مصاريف علاجه، ودفنه، وسداد دينه وحدنا، لكننا أبينا، إلا أن تشاركنا هذه البلدة الطيبة الأجر الكبير، فإذا كان الإحسان إلى المقطوع من شجرة عظيماً، إن كان حياً، فكيف إن مات؟.

وما إن ختم خطبته المحشرجة، التي دخلت شغاف قلوبنا، حتى قام الإمام، ونقر على السماعة، ونادى :الصلاة على الجنازة أثابنا وأثابكم الله: في الركعة الأولى الفاتحة، في الثانية الصلاة الإبراهيمية، في الثالثة الدعاء للميت، وخير الدعاء الاستغفار، وفي الرابعة:اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره.

أصحاب الميت، ينتظرون في العادة حول التابوت، ريثما يخرج الناس، ويتمهلون خارج المسجد، للمشاركة في حمل التابوت، إلى مثواه الأخير.

الخطيب المفوّه، وقف على عتبة المسجد، منكسر البال، فارداً سجادةً صغيرةً أمامه، والناس تخرج، وتفرغ جيوبها له، فتساقطت الأوراق الخضر، والحُمر، والزرق، فيما ظلت الدمعة في زاوية عينيه عالقةً، آيلة للسقوط‍‍‍.

تلاشت الناس، شيئاً فشيئاً، ولم يبقَ حول التابوت أحد؛ فناد الإمام، أن عودوا لحمل ميتكم؛ دخل البعض، وتقدم أحدهم لكشف الشرشف عن التابوت، ثم فكَّ رباط الكفن، ونظر؛ فبهت.

ترحموا طويلاً، على جذع شجرة الزيتون الغليظ، الذي كان ممدوداً، بطول التابوت، ثم بحثوا عن الخطيب المفوه، فلم يجدوه، وقررت البلدة الطيبة، أن تدفن هذه الفضيحة قبل العصر‍. وكم فضيحة من هذا النوع دفناها في بطوننا، أو طواها الثرى؟؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور